بعد ألف يوم حرب... أي مآل ينتظر قطاع غزة؟
باسم برهوم

قد لا يخطر للبعض ان مصطلح "قطاع غزة" ظهر بعد نكبة العام 1948، وهو بهذا المعنى مثله مثل مصطلح "الضفة الغربية"، تم استخضارهما للتعبير عن تقاسم فلسطين في حينه وتفكيكها وإلغاء وجودها ككيان سياسي يخص الفلسطينيين وحدهم.
ما يجري اليوم في قطاع غزة هو تفكيك كل ما قد يعيد فلسطين إلى خريطة الشرق الأوسط، وهنا يكمن سر رفض إسرائيل، وبالتحديد رفض اليمين المتطرف القاطع لفكرة الدولة الفلسطينية. وهنا يقتضي التوضيح ان ما يطلق عليه قطاع غزة ما هو إلا الساحل الجنوبي لفلسطين، وما يطلق على الضفة الغربية، هو وسط فلسطين، وهو يشمل القدس، لذلك كان هذا اليمين يرى في اتفاقيات أوسلو خطرا جديا، وربما وجوديا، ونجح في النهاية في منع تحويله إلى دولة حتى الآن.
فكرة التفكيك من المهم ادراكها للإجابة على سؤال عنوان المقال: أي مآل ينتظر قطاع غزة؟ والسؤال ذاته يمتد على الضفة ويناسب واقعها اليوم، وإن بأساليب أخرى، ولكن لتحقيق الهدف: تفكيك ما يمكن ان يعيد فلسطين إلى الخريطة.
إسرائيل بعد ألف يوم من الحرب تحتل أكثر من 60 بالمئة من القطاع، وتهدد باحتلال المزيد، وتقوم بمحاصرة أكثر من مليوني إنسان فلسطيني في منطقة لا تزيد مساحتها عن 120 كيلومترا مربعا، أغلبهم يعيش في خيام من قطع قماش بالية، وعمليا ما تحاول إسرائيل فعله تهيئة الظروف لإمكانية تهجير القسم الأكبر من السكان وضم أجزاء اوسع من القطاع.
مسألة اخرى بحاجة إلى فهم، هو مشروع حماس والاسلام السياسي في فلسطين، فإذا كان مشروع منظمة التحرير الفلسطينية بمنتهى الوضوح هو مشروع الدولة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، فإن مشروع حماس يبقى غامضا، لأنه في الواقع مشروع يرتبط بمشروع جماعة الإخوان المسلمين، الذي لا تمثل فيه فلسطين بالنسبة لهم سوى جزء بسيط من مشروع الأمة الاسلامية، اليمين المتطرف الإسرائيلي رأى بوجود حماس ومشروعها الغامض وطنيا، احدى أدواته المهمة لمنع قيام دولة فلسطينية، لذلك لم يكن سرا ان نتنياهو كان الراعي الحقيقي لاستمرار فصل قطاع غزة عن الضفة، وهو وحكومته المتطرف يقومون اليوم بتفكيك كل احتمال يمكن ان يقود الفلسطينيين إلى الاستقلال على أي جزء من وطنهم التاريخية.
ولكن ما يبقي هامش الأمل موجودا، الحقيقة التي تقول: ان للحروب نتائج مؤقتة مهما كانت قاسية، ويمكن أن نبدأ من تجربتنا نحن الفلسطينيين، فقد ظنت الصهيونية في حرب 1948 انها نجحت في تفكيك الشعب الفلسطيني، وتفكيك فلسطين، وأن فلسطين وشعبها لن يعودا إلى المشهد مجددا، وبعد ذلك خاضت إسرائيل معظم حروبها لمنع مثل هذه العودة، خاصة حرب حزيران/ يونيو 1967، ولكن وفي نهاية الأمر اعترفت إسرائيل في أوسلو بالشعب الفلسطيني .
لو كان للحروب نتائج دائمة لما كنا نرى اليوم لا ألمانيا ولا اليابان قوة اقتصادية عالمية، للحروب نتائج قاسية لكنها لا يمكن أن تدوم لأنها ببساطة لا يمكنها القضاء على الشعوب.
نعود إلى أي مصير ينتظر قطاع غزة والضفة، ولكن التركيز على غزة لأن التهديد هناك مباشر، ولأن الحرب لا تزال قائمة ولو بوتائر أقل حدة، والتركيز على غزة لأن الوضع الإنساني بهذا السوء، ولا يمكن السكوت عنه أو القبول باستمراره، ولأن خطر التهحير قائم، وما دام العنصر الرئيس في المعادلة كلها يرتبط ببقاء الشعب الفلسطيني على ارضه، فإن كل شيء نقوم به بالضرورة يجب أن يكون لمصلحة هذا الهدف. بالتأكيد ان الحالة الفلسطينية بمجملها مستنزفة، وهي في غاية الصعوبة، ولكن لا يزال لدينا مؤسسات، ولدينا شعب ممتد ومتواجد على مساحة واسعة من العالم،، ولدينا تعاطف شعبي دولي لم يسبق له نظير، السؤال: كيف نستخدم عناصر القوة التي لا تزال بين أيدينا؟ بالتأكيد ليس بالطرق والأساليب القديمة يمكن ان نغير المعادلة، هناك حاجة إلى استغلال طاقات الشعب الفلسطيني المنتشر في العالم، ولكن كيف؟
لم تنجح الصهيونية في تحقيق أي من أهدافها لو لم يقتنع الجزء الأكبر من يهود العالم بها، أو لو لم تفلح في حشد طاقات يهود العالم معها.
المسألة الأساسية التي نحتاجها اليوم لمنع المآلات الأكثر سوءا، هو ايجاد طريقة لحشد طاقات الشعب الفلسطيني حول أهداف محددة، وهو ما ليس موجودا اليوم، ومن الواضح أن الأجيال الفلسطينية الجديدة لا تعرف جيدا ما هي منظمة التحرير الفلسطينية، وما تاريخها وما أهدافها.
وهنا يطرح سؤالا: كيف نقنع الجيل الجديد بممثله الشرعي والوحيد؟ كيف نواجه تلك الماكينات التي لا عمل لها سوى منع وحدة الشعب الفلسطيني، ومنع أي إمكانية لحشد طاقاته نحو أهداف محددة؟ هناك اسئلة كثيرة ولكن العنصر الرئيسي الذي لا ينقذنا غيره هو كيف نجعل الشعب الفلسطيني يلتف من جديد حول أهداف عملية قابلة للتنفيذ وأولها الحفاظ على وجود أهل غزة على أرضهم، وأهل الضفة والقدس على أرضهم؟
مواضيع ذات صلة
بعد ألف يوم حرب... أي مآل ينتظر قطاع غزة؟
غزة على حافة منعطف جديد.. قراءة في مؤشرات التصعيد ومسؤولية اللحظة
خطاب الحق العقلاني بمواجهة الدعاية الغرائزية!!
غزة بين توسع الخط الأصفر وسياسة الشطب والاستبدال
عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
حكومة د. مصطفى.. بين التحديات ومتطلبات الصمود
معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد