غزة بين توسع الخط الأصفر وسياسة الشطب والاستبدال
على الحافة- د. تحسين الأسطل

لم يعد مصطلح "المنطقة الصفراء" مجرد وصف تقني لخط فاصل تضمنته خطة الرئيس ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، بل أصبح مدخلًا لفهم تغيير عميق في شكل غزة على الأرض، قائم على الإزالة والاستبدال. ما يجري ليس تحركًا عابرًا، بل توسع تدريجي يعيد تشكيل الواقع خطوة خطوة، ويخلّف آثارًا يصعب التراجع عنها.
يمكن قراءة "المنطقة الصفراء" كأداة ضمن خطة أوسع لضم مساحات جديدة إلى دائرة السيطرة الفعلية، وربطها بمنظومة عسكرية تُخرجها من سياقها الفلسطيني. فهي لا تُعزل فقط، بل يُعاد تعريفها: من أحياء مأهولة إلى مساحات فارغة قابلة لإعادة التشكيل، بل حتى إلى مواقع عسكرية، بما يفتح الباب أمام حزام استيطاني جديد داخل القطاع ويحاصره تماما من كل الجوانب.
في جنوب غزة، يشير المسافرون وصور الأقمار الصناعية إلى أن رفح، تعرضت لمسح كامل ويمكن القول انها شطبت من الوجود، بما يعني تفريغها من كل مقومات الحياة.
وفي خان يونس، يجري الحديث عن مسح سبع قرى وثلاث مدن كاملة، في نمط يتجاوز كونه أثرا جانبيا للحرب، ما يدعي الاحتلال إلى تفكيك ممنهج لمدن سكنية.
أما في الشمال، فقد دخلت مناطق شرق غزة ومحافظة الشمال، ومدن بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا، ضمن نطاق التفريغ أو إعادة التشكيل، في مؤشر على تصور شامل لإعادة رسم الجغرافيا. ويمتد هذا المسار اليوم إلى دير البلح والمصدر والمغازي والبريج، بما يؤكد أن التوسع يتحرك نحو مركز القطاع.
هذا التحول الجغرافي، الذي يرقى إلى جريمة تطهير عرقي، يأتي في إطار خطة وقف إطلاق النار التي تبناها مجلس الأمن بالقرار 2728 لعام (2024)، ما يزيد المشهد تعقيدا. فبدل أن يشكل القرار مظلة حماية، يجري استثمار الوقت لفرض وقائع جديدة، في ظل غياب مرجعيات فاعلة قادرة على المتابعة والتنسيق.
في المقابل، تتحول المفاوضات البطيئة إلى غطاء زمني لهذا التمدد. ومع اختلال موازين القوة، لا يصبح التفاوض أداة إنصاف، بل وسيلة ضغط.
وهنا لا يمكن تجاهل البعد الداخلي؛ إذ إن استمرار بعض الفصائل في إدارة التفاوض بمعزل عن منظمة التحرير الفلسطينية يكرّس إقصاء الممثل الشرعي، ويتقاطع مع االشروط الإسرائيلية التي تسعى لتفكيك وحدة التمثيل الفلسطيني.
إطالة أمد المفاوضات دون وقف الابادة والتوسع ليس حلًا، بل مخاطرة مفتوحة. المطلوب تحرك عاجل يعيد الاعتبار لوحدة القرار، ويضع بقاء الناس على أرضهم كأولوية، لأن ما يجري لم يعد صراعا عسكريا فحسب، بل إعادة تشكيل تهدد بشكل جدي الوجود الفلسطيني ذاته.
مواضيع ذات صلة
غزة بين توسع الخط الأصفر وسياسة الشطب والاستبدال
عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
حكومة د. مصطفى.. بين التحديات ومتطلبات الصمود
معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد
خطر الدويلات الطفيلية على الدولة الوطنية!
الشرق الأوسط والاحتمالات
فلسطين ومعيار الشرعية الإقليمية