.. ساعة الحق!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل،
ماتوا هنا، وماتوا هناك، وجرحوا هنا، وجرحوا هناك، وسجنوا هنا، وسجنوا هناك، وتشردوا من هنا، وتشردوا من هناك، وبكوا هنا قرب هذا الجسر الحجري العتيق، وبكوا هناك قرب سور القلعة المهدوم، وجعلوا من الخيش والرقع بيوتا مأنوسة هنا، مثلما جعلوا من أطباق القش والقصب والسعد والبربير بيوتاً حافظة للأسرار هناك. وبنوا قرى جديدة للحزن والبكاء هنا، وبنوا قرى للأحلام هناك، اه..كم بنى الفلسطينيون الأحلام، وجعلوا لها أقداماً، وعيوناً، وعقولاً، ومشاعر كي تقودهم إلى درب العودة كي يؤوبوا إلى عالم القرى والمدن والحقول العامرات بالبهجة والفرح والخصب، وكم خزنوا في ذواكرهم من أحداث وحادثات.. حتى صارت كتبا ومدونات.
وقد بكوا كثيراً، وحزنوا كثيراً، وجعلوا الدنيا، حيثما حلو، مسارح لأسئلة صاغوها في سؤال طويل واحد وجيع مدمى ثقيل، له شعب كثيرة، لماذا حدثت النكبة؟ وما السبيل لمحوها، وكيف نمحوها إن عرفنا السبيل أو أهديتنا إليه؟ لقد سألوا التاريخ بعتب وغضب.. كيف صار اسم (يافا) (تل أبيب)، وكيف صار اسم شارع الملوك في حيفا شارع دبورة، ومن ذلك الذي ضعف ووهن وجبن وخري.. حتى حدث هذا: أهو الضمير أم القانون؟
وكيف انتشرت هذه الأبنية الهجينة الغريبة بأشكالها، وقرميدها، وأسيجتها العاليات المحروسة البارود والكهرباء والحرس.. هنا، وهناك، وقرب هذا المكان، وذلك التل؟ وكيف اتسعت هذه المقابر أم الشاهدات الرخامية البيض ، والأشجار، والظلال المديدة هنا، وتلك المقابر الرقميةأم الاعداد والإشارات والتواريخ المتسلسلة تسلسل الألم والأحداث والأخبار والفقد.. هناك؟
وكيف صارت شواطئ حيفا ويافا وعكا وغزة وعسقلان وأم الرشاش أرضاً حراماً علينا، جيلاً بعد جيل؟ وكيف غدت هذه البيارات/القرى.. أمهات الروائح الزاكيات، والثمار الأقمار المضيئة التي يحتشد أهلها قرب جذوعها في المواسم المباركات..معسكرات لتدريب عسكر ( اسرائيل)على السلاح..كي يقتلوا الشيوخ والنساء والأطفال الفلسطينيين بكل أساليب الذكاء الصناعي ؟
والآن، ومنذ عام ،1948 ، نسأل لماذا هذه البوابات والأقفال والحواجز، والأخشاب الخرس، ومواسيرالحديد الثقيل.. التي تحول دون مرورنا، دون وصولنا إلى بيوتنا وحقولنا ومدارسنا ومشافينا وينابيعنا؟ ولماذا تلوك هذه الجارفات الصفر المهولة أشجار الزيتون، لماذا تقتحمها، فتتعارك مع كل واحدة منها نهاراً أو نهارين ..حتى تقتلعها من باطن الأرض، وأي عناد فطري تمتلكه أشجار الزيتون هذه ..هنا، وهناك، لكأنها الكتاب الثقيل العصي على القراءة، لأن الجارفات، رغم وجود عيونها الضوئية..عمياء! وأي نواح وبكاء يعمان هذه الخيام الطائرة فوق أكف الريح مرة، وفوق روائح البارود مرة، وفوق أنفاس الأسئلة الصعبة التي لا أجوبة لها إلا الصبر..مرات! وهل هذه هي طيور السنونو التي عرفناها في طبريا، وصفد، وبئر السبع، وشفا عمرو، وخان يونس، واريحا، التي لا تعشش هنا.. في سقوف الخيام! لكأنها مثلنا لا تعد الخيام بيوتاً، لكن أين هي السقوف، وأين هي الجدران، وأين هي الأبواب، والنوافذ؟ الخيام .. التي لولا هيبة الحق، لكانت كائنات الله الضعيفة على الأرض!
بلى، هي النكبة التي استنبتت التهجير، والتشرد، والألم، والخوف، والحسرة، والأسئلة، والأحلام، والقراءات، والمدونات، والدروب، والمعاني.. والرجال.. هي النكبة التي ماشاها صبرنا سبعين عاماً وأزيد، وهي كتابنا الذي كتبه شيخ النساخ، وحفظه لفائف في جرار أريحا، الكتاب الذي تقول أسطره: كتب عليكم الصبر أيها المعروفون بالصبر، وكتب عليكم الانتظار حتى تشرق شمس يومكم الذي يباهي بكم النور والضوء معاً، وينادد بكم المدونات والقراءات معاً، قليلاً من الصبر فقط، وترون فرحكم يراقصكم في الساحات، وبه سوف تمتلئ صحف الدنيا وكتبها القائلات والروايات؛ واعلموا أنه ما عاد بعيداً أبدا ما انتظرتموه من الأحلام الملأى بالإجابات الثمار؛ ها هي الطرق إلى القدس، وجبل قرنطل، ووادي القلط، ووادي النسناس، وترشيحا، اشتاقت إليكم .. كي تمشوا، تركضوا، تطيروا..عائدين إلى البحار والبراري، والقرى، والمدائن، والمقابر! هي ما انتظرتموه، وأكثر! وعلى من أغلقوا عيونهم سبعين سنة وأزيد، أن تفتحوا عيونكم لتروا الفلسطينيين الذين وقع عليهم الظلموت الفادح في التاريخ، انظروا إليهم، إنهم يعودون مشيا، وركضا، وحبواً على ركبهم وزحفاً على بطونهم، وهم يطلبون الأرض،..والحياة، والفرح.
ها هي الساعة دانية دنو الفجر، وقريبة قرب الأشجار منكم، يا اهل التراب..والشجر!
نعم، لقد آن أوان طي كتاب حزن النكبة، وقد علمتموه وعرفتموه، ووعيتموه.. فطوبي للصابرين في قراهم ودروبهم وحقولهم ودورهم وأحلامهم التي ماشتهم سبعين حولاً وأزيد!
بلى أيها الكتاب الثقيل، يا كتاب لفائف جرار أريحا.. إنها ساعة الحق التي انتظرناها سبعين سنة.. وأزيد!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
منصات التواصل الاجتماعي ليست أرشيفا ً للحرب فقط
اقتصاد المسافة القصيرة: كيف تعيد عمّان ورام الله تعريف الجغرافيا وهندسة الأمل؟
واقعة (بن جفير)! العنصرية كما هي
.. ساعة الحق!
لماذا تفشل الزراعة المائية داخل البيوت المحمية في فلسطين؟
قرار إسرائيل إخلاء وتدمير "سفارة" الاتحاد الأوربي في الخان الأحمر!