عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 16 أيار 2026

حين أصيب الشعر بداء "فقر المجاز"

يزيد جبر شعث*

لم تكن الكتابة في الحرب قرارا قد اتخذناه بمحض ارادتنا ، بل صحونا من النوم لندخل في كابوس طويل الأمد ؛ فوجدنا أنفسنا قد قذفنا رغما عنا في هذه الساحة الدامسة ، المشي فيها يشبه السير في طين متحرك يوشك أن يبتلعنا كلما حاولنا التململ ؛ لذلك وكما قلنا سابقا أن فعل الكتابة في الحرب لم يكن ترفا أو عن طيب نفس  ؛ فقد كان هناك ما يدفعنا دفعا عنيفا ، وهي المسؤولية الوطنية والأخلاقية والإنسانية.

بدا من حالة الموت الزؤام الذي كان يعبق بالمدى ، فكان الهواء الذي نتنفسه والطعام الذي نقتات عليه ومن ثم حالة النزوح التي مارستنا بكل سادية ، وحالة الاغتراب الذاتي والنفسي والأدبي التي أغرقتنا في براثنها ، فصرنا غرباء عن أنفسنا وحتى عن الأدب الذي نقدمه ، وهذا أمر منطقي ؛ نظرا لما مررنا به وما زلنا نعيشه.

أما عن حالة الخوف ؛ فخوفنا لم يكن خوفا إنسانيا غريزيا كأي إنسان ، فقد كان غريب الأطوار ، ليس له روح وجسد ، حالو مستمرة تسري في دمائنا وأظن أنه صار تحولا جينيا فيها حتى صار مكونا أساسيا من مكونات الدم.

وصولا إلى الخيمة ، هذه المفردة المرعبة ، التي صارت تشكل لنا "فوبيا" ونوبات من الهلع كلما لسعنا نحل الإدراك ؛ فنتلفت حولنا كما يتلفت تائه في صحراء شاسعة مقفرة ، فتغور وجوهنا في رؤوسنا ، ويطفئ النور في عيوننا كمشكاة نفد زيتها للأبد ،أنظر من ثقب في البصيرة؛ فارتعد كعصفور بلله القطر وأهذي بالشعر ؛ لأصحو في صباح اليوم التالي وأقرأ هذا الهذيان ، فأصاب برعشة قاتلة كتلك التي يخرجها المين جين تنتزع روحه ، وأنفث ما هذا العبث ؟

كانت القصائد تخرج من الخيمة معبأة بالقهر ، يطغى عليها ملامح العويل والانكسار ، وكانت تقترب من الهاوية ، بل كانت تتأرجح في هاوية اليأس يمنة ويسرة كجثة معلقة على منشقة.

أما القصائد الجائعة فكانت تفتقر للخيال وللغة ، مصابة بداء "فقر المجاز" تماما كأجسادنا المهترئة وجلودنا المالحة برذاذ البحر ؛ فكتبنا في هذا السياق:

"أرواحنا جوعى كما أجسادنا

وعيوننا عطشى لشكل الرغيف

لم نحلم بشيء عصي

نريد أن نخرس هذا الجسد

بكسرة خبز نظيفة

ليست معجونة بالدم

وطعم البارود"

كان هذا الشعور أكثر ما يوجعنا ، فلم نجد لغة تحمل هذا الوجع المزمن ؛ فكانت جميع ما كتبنا محض محاولات يائسة وقاصرة ، إنها لمأساة بحق أن يكون أقصى ما يحلم به الإنسان كسرة خبز نظيفة.

على أعتاب الخيمة ومشارف المجاعة كان يتكسر المعنى كلوح زجاج ، كنا نقلع إنسانيتنا قطعة قطعة ونلقيها ؛ لنشعل بها نارا نصنع بها ما يبلل الرمق فقط ويستدرج ريقنا الجاف ، نصرخ كما الغريق في وسط موج هائج ، من يسمع صوت الغريق ؟ من يلقي له قشة ؟

---------

 * شاعر يعيش في غزة