الجبل حسن البرغوثي في ذكراه.. الناي الذي نام في صوته
مهيب البرغوثي

تغنيك الأيائل
وحده صوتها كان يسمع دقات قلبك، ويراقب نبض يديك، وينظر عبر عينيك إلى نقاء عشبهما، ومدارات روحك حين تفاجئها الأسئلة.
تناديك الأيائل:
يا صديقي، من سيجني عسل البحة في صوتك ليكون جديرا بطفولة يديك؟ هيا، لم التواني؟ فقد مددت لك جلودها الناعمة، وافترشت أحلام الصنوبر، لتنسى في قسوة اللحظات حموضة شفاه آخرين.
يا صديقي، ها أنت في ذكراك مرة أخرى، تزهر وتفكك أزرار العقل، وتصرخ عبره: هيا أيها الراحلون، لا تولوا وجوهكم شطر الصحراء، ومن تخلف تحول قلبه إلى قمر أجدب، لن يبصر شيئا إلا بحضور السيدة.
مرة أخرى تفترش الذاكرة بالعشب، لترعى الغزالة بكل ثقة ووعي.
تناجيك الأصائل:
هيا، احمل فرح روحك واركب سحائب الشفق، فما تراك فاعلا بضجر عالم فاضت مساحات روحه المكتظة بكل هذه الهزائم؟ عالما غاب قلبه، وما تعب من كثرة الأسئلة الممزقة فيه.
تناجيك العصافير:
انظر ما أروع طيرانها، وما أخف أرواحها. آه يا صديقي، كم كنت مولعا بالهواء، وتقاسمها قلقها الوجودي. ها هي أجنحة الروح تمد لك أجنحتها، فارحل، فما زال قلبك قادرا على خلق عالم أكثر حبا وخفة.
قلت يا صديقي:
"حرام على الإنسان أن يأتي ويذهب دون أن يخلف وراءه معرفة".
فالمعرفة يا صديقي عقل، إن نقص عاش الإنسان بنصف قلب، ووهما من الجحيم.
سيدي،
ما زلنا كمن يرثي نفسه، وهي معلقة على نعش الدهشة واللامبالاة. وحدك أدركت دورة الوقت، وعرفت أن اللوز يزهر حين يحرسه القلب، وأن النيازك لن تصطدم بالأرض حتى ترسل أحلامك نهارا ونحاسا.
حسين،
إنك الطير الذي إذا سمع صوت الماء ذاب من الوجد والطرب، كالأيائل من عذاب الألحان، وتفتنت كالأزهار حين تأتي لحظتك، فتفنى في الفناء. ومن لا يفنى من الوجد لا يعول عليه، كما قال مولانا ابن عربي.
تناجيك الأيائل:
فاذهب، فإن لها وقتا ستكون فيه أجمل وأنقى، فلا تفرط في عسل تهبه لك. فإن تأخرت لحظتها نلت منها معرفة كاللسعة. اذهب، فأنت من يعرف أنها تعرف دورتها.
تناجيك العصافير:
فحلق معها، فإن أدركتها أصبحت كالتلال، وأعطتك صوتها. فما عساك، سيدي، ذاكرا عن هزل أرواحنا؟ فنحن هنا بانتظار أزهارك ذات لوز، وسماع غنائك ذات أصيل، ورفرفات جناحك ذات غدير.
سيدي،
الساعة ليست ملك الوقت، فازهر نوارا ودحنون.
مواضيع ذات صلة
الجبل حسن البرغوثي في ذكراه.. الناي الذي نام في صوته
أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
كويتسي يرفض حضور "مهرجان القدس للكتاب"
رواية "الصائل" لمحمد سرسك تحت مجهر مبادرة "نون للكتاب"
حسين البرغوثي.. أربعة وعشرون عاما على الغياب وحضور لا ينطفئ
السر في رؤية الصدع اللامرئي
[على هامش قراءة سأكون بين اللوز]
الضحية التي تنتظر .. في ذكرى سليم النفار