طوباس تُودع عاشق يافا وبيسان..

طوباس-الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- ودعت طوباس والأغوار الشمالية، أمس السبت، المُعمر سميح رشيد خضر ضبابات، (105 سنوات) أحد كبار مزارعيها ورجالاتها الأوفياء، بعد سيرة عطاء وصبر والتصاق بالأرض، وعقب مسيرة عمل وكفاح وأثر طيب.
وكانت "الحياة الجديدة" وثقت حكاية الراحل قبل وفاته، وفيها سرد قصته مع يافا وبيسان، حيث تعلم وعاش طفولته وامتهن تجارة الأقمشة.
وباح الفقيد بمقتطفات من علاقته ببحر يافا ومدارسها وأسواقها، كما أعاد رسم صورة لبيسان وأحوال أسواقها، ولحظات الرحيل منها خلال نكبة عام 1948.
وقال ضبابات قبل مماته: ولدت في طوباس عام 1921، وتوفيت أمي وأنا في الثالثة من العمر، وربتني أختي الكبيرة، ولما خُطبت من المعلم عبد الكريم عبد الرزاق، الذي كان يعمل في يافا، اشترطت عليه أن تأخذني أنا وأختي الصغيرة (5 سنوات) معها، فوافق. وقد غادرت طوباس للعيش في يافا عام 1934، وأتذكر جيدًا شوارعها ومتاجرها ومدرستها وبحرها وسمكها، وتنقلنا فيها بين المنشية (أحد أكبر الأحياء الشمالية) والبلدة القديمة، والحي الذي يضم مسجد حسن بيك، ومنطقة الكرمل، وتعلمت من الصف الثالث للسادس، ورفضت بداية الأمر عرض أبي أن أترك أختي، وهربت مراراً منه، ولم أوافق أن أذهب لبيسان، وفي إحدى المرات هربت من محطة الباصات التي كانت تنقلنا من يافا إلى طولكرم ثم بيسان.
كان ضبابات الطالب الأول في الدروس كلها، واضطر أخيراً للانتقال من يافا إلى بيسان كرهًا عنه، وترك المدرسة بطلب من والده، بالرغم من أنه انتزع الترتيب الأول في اللغة الإنجليزية على مستوى مدارس فلسطين كلها.
وأضاف: جاء مدير مدرستنا حسن فرحات (ينحدر من نابلس)، وأستاذ اللغة الإنجليزية الأرمني جورج توماتيان، وأخبرا والدي في الدكان أنني متفوق على طلاب فلسطين كلهم باللغة الإنجليزية، ومن الأوائل في الدروس الأخرى، وعليّ أن أكمل دروسي. لكن والدي –رحمه الله- رفض طلبهما، وقال لهما: سأعلم ابني التجارة، ولا حاجة له بالشهادات والتعليم. وقد فتح لي والدي حسابًا في البنك العربي بفرع يافا، ثم انتقلنا لبيسان.
مما لم يسقط من ذاكرة الراوي، كيف كان أستاذهم توماتيان يقدم دروسه في الصف، إذ يبدأ الطلاب بالتمثيل، فيتقمص أحدهم دور الخياط، وآخر الزبون، وثالث التاجر، ليفتحوا حواراً بالإنجليزية يشمل استخدام الكثير من الكلمات الجديدة، وذات الصلة بموضوع الدرس كل مرة.
وتابع الراحل: أسس والدي دكانه، فقد كنا نبيع الأقمشة والمواد التموينية الأخرى، وهي العادة التي كانت دارجة في المدينة كلها. ومن الأقمشة التي كانت شائعة في محلنا على الشارع الرئيس المؤدي لطبريا (الملس) أسود اللون للعرسان، والشييت، والياباني، والخام، والقرط.
والمفارقة أن أجرة تفصيل البذلة الرسمية في يافا وبيسان كانت تصل أحياناً إلى 35 جنيهاً فلسطينياً، وكان الخياط حافظ الكيالي يطلب 35 جنيهًا بها، في وقت كان لا يتعدى مهر العروس 150 جنيهاً، أما دونم الأرض فكان بثمن زهيد يقل عن البذلة نفسها.
وأفاد: تمسك والدي ببيسان، وظن أنها لن تسقط بيد العصابات الصهيونية، فقد كان يقول لي (إن بيسان باب إربد، وإربد باب الشام، ولن يسمح الملك الراحل عبد الله بسقوطها)، وبالفعل أرسل رجالًا لحمايتها. أما نحن فاشترينا سلاحًا ألمانياً، وكان ثمن البندقية 85 جنيهاً.
ظل الفتى سميح ووالده في بيسان، فقد كان الراوي في السابعة عشرة، وعرف كل طرق المدينة ومخارجها، وألم بتفاصيلها، وتعلم كل فنون التجارة، وكان ذكياً، وأتقن الإنجليزية. وكان يشاهد الناس وهم يرحلون عن المدينة خوفاً، بعد انتشار أنباء المذابح، التي ارتكبتها العصابات الصهيونية. وخلال عشرين يوماً كانت بيسان قد خلت من معظم أهلها، وبقيت عائلة خضر حتى آخر لحظة.
وحسب ضبابات، فقد أقامت العصابات المهاجمة حاجزًا على مداخل المدينة، وسمحوا للناس بالخروج منها، ومنعوا أي شيء من دخولها، وكانوا يصادرون كل ما يقع تحت أيديهم، ونهبوا المدينة، التي كانت تفرغ من العصابات الصهيونية خلال الليل. وبحكم عمل والدي في التجارة، فقد اشترى أكثر من سبع دكاكين قبل سقوط البلاد، واحتفظ بأمواله في خزنة حديدية كبيرة، ودفن نحو ألف جنيه في مكان ما بمنزلنا، ثم تسلسل مرتين لإحضارهما، ونجح في ذلك.
ظل (أبو عماد) كما عرفه أهالي طوباس يحتفظ بمفتاح منزل عائلته ودكانه، وتجمع الكثير من الصور في يافا بإخوته، ويقول إن مفتاح الخزنة المعدنية لا زال في جيبه، ويحرص على كل وثائقه وسنداته التي تذكره بيافا وبيسان، ويقول إنها غالية على قلبه.
ومما اختتم به: عملت بعد النكبة بعام سائقاً، وواصلت في هذه المهنة حتى توفيت زوجتي عام 1998. وقد تنقلت بين أكثر من شاحنة ومركبة وقلاب، ولا أنسى سيارة الشحن الألمانية التي كنت أنقل فيها الخضراوات من الغور لنابلس، في اليوم نفسه لنكسة عام 1967، ولم نتمكن من الوصول فتوجهنا لأريحا، ولم نستطع بيعها، فواصلنا السير لعمان، ولم أتمكن من العودة، إلا بعد عدة أيام، شاهدت فيها النازحين والدبابات المحترقة وأجواء الرعب والهلع ونسف الاحتلال لجسر دامية.
بدوره، عبر الناشط المجتمعي سائد مسلماني عن حزنه برحيل ضبابات، وقال: ودعت طوباس وأغوارها قامة وقدوة، فقد كان الراحل مثالًا للفلسطيني الذي أطاح بالمحن التي أحاطت به، وحولها إلى منحة، وصنع من الصعوبات فرصًا، وكان بحق رجل المهمات المستحيلة، وانتقل من طفل يتيم فقير ذكي لم تسعفه الظروف للدراسة، إلى رجل أعمال بارع.
واستذكر الناشط الشبابي في الأغوار الشمالية محمد ضبابات، المآثر التي صنعها ابن عائلته، فقد كان مزارعًا نموذجيًا في مناطق الجوبة وعين البيضاء، وسائقًا روج لحمضيات الأغوار في الأردن والشام، ونقل خضرواتها إلى الساحل الفلسطيني، وقدم لمدينته وأهلها الكثير من العون بالخفاء، وأسس أكاديمية للقرآن الكريم حملت اسمه.
وأشار إلى احتفاظ أولاده حتى اليوم، بشاحنة قديمة عمل الراحل عليها، بالرغم من تحولها إلى هيكل معدني، لتكون شاهدة على كفاحه وعصاميته.
مواضيع ذات صلة
أنياب المصادرة تصل حي الجابريات بجنين
طوباس تُودع عاشق يافا وبيسان..
أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا
شهادات من تحت الركام تكشف حرباً تلتهم الحياة وتعيد تشكيل المجتمع من جذوره
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
مستوطنون يلاحقون جثمان ثمانيني!
جنين: هجمة استيطانية شرسة ومنع مواطنين من دخول برطعة الشرقية