شهادات من تحت الركام تكشف حرباً تلتهم الحياة وتعيد تشكيل المجتمع من جذوره

نساء غزة بين الإبادة الصامتة والانهيار الإنساني بتوثيق أممي..
عبير البرغوثي
لا تبدو الحرب على قطاع غزة مجرد مشاهد قصف وركام، بل حياة كاملة تنهار فوق رؤوس النساء كل يوم. هناك، تتحول الأم إلى شاهدة على فقدان أبنائها، وتتحول الفتاة إلى رقم جديد في قوائم الضحايا، فيما تُدفع آلاف النساء إلى حياة النزوح والخيام والجوع والخوف المفتوح. الأرقام التي كشفها تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، والتي توثق استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة منذ تشرين الأول 2023، لا تعكس فقط اتساع دائرة الموت، بل تكشف حجم التحول الإنساني والاجتماعي العنيف الذي أصاب الفلسطينيات في قطاع غزة. فخلف كل رقم حكاية بيت انهار، وعائلة تشتت، وأم فقدت أبناءها أو وجدت نفسها فجأة المعيل الوحيد لأسرة كاملة وسط حرب لم تترك للنساء سوى مهمة واحدة: البقاء على قيد الحياة.
وفي هذا التقرير، تفتح "الحياة الجديدة" ملف واقع النساء الفلسطينيات في غزة، بين أرقام التقرير الأممي وشهادات المسؤولين والحقوقيين والنساء اللواتي يعشن الحرب بكل تفاصيلها القاسية.
غنام: الفلسطينية تدفع من دمها ثمن حرب تجاوزت كل الحدود
وفي قراءة رسمية فلسطينية لما ورد في تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أكدت محافظ محافظة رام الله والبيرة الدكتورة ليلى غنام، في إفادة خاصة لـ"الحياة الجديدة"، أن الأرقام الواردة في التقرير لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد إحصاءات، بل باعتبارها انعكاسًا لـ"فاجعة إنسانية وديموغرافية غير مسبوقة" طالت المرأة الفلسطينية بصورة مباشرة خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. وأشارت إلى أن المرأة الفلسطينية حضرت في جميع صور المعاناة، "شهيدة وأسيرة وجريحة، وأمًا أو زوجة أو ابنة لشهيد أو أسير"، معتبرة أن الارتفاع الكبير في أعداد الشهيدات مقارنة بالحروب السابقة يكشف تعمد استهداف النساء بوصفهن جزءًا من بنية المجتمع الفلسطيني وحاضنته الإنسانية والوطنية.
وأضافت أن وصول معدل استشهاد النساء إلى نحو 47 امرأة يوميًا يعكس أن البيوت ومراكز الإيواء تحولت إلى ساحات موت جماعي، في ظل غياب أي ملاذ آمن داخل القطاع، الأمر الذي يشكل، بحسب وصفها، "انتهاكًا صارخًا لكل القوانين والمواثيق الدولية". كما رأت أن استمرار سقوط الضحايا حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار يكشف عن "قتل بطيء" ناجم عن انهيار المنظومة الصحية ونقص الغذاء وغياب الرعاية الأساسية، خاصة مع حرمان مئات آلاف النساء من الخدمات الطبية.
وشددت غنام على أن هذه الأرقام تمثل "شهادة قاسية على عجز المجتمع الدولي"، مؤكدة أن استهداف المرأة الفلسطينية بهذا الشكل الممنهج يهدف إلى كسر إرادة الصمود وضرب البنية الاجتماعية الفلسطينية، لكنها شددت في المقابل على أن المرأة الفلسطينية "تواصل النهوض من تحت الركام رغم هول الكارثة والثمن الإنساني الباهظ".
وزيرة شؤون المرأة تحذر من آثار ممتدة تطال بنية المجتمع الفلسطيني
وفي سياق القراءات الرسمية الفلسطينية للتقرير الأممي، أكدت وزيرة شؤون المرأة منى الخليلي، في إفادة خاصة لـ"الحياة الجديدة"، أن الأرقام الواردة في تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة لا يمكن التعامل معها بوصفها "إحصاءات مجردة"، بل باعتبارها مؤشرات على "تكلفة إنسانية وصحية واجتماعية غير مسبوقة" تتحملها النساء والفتيات في قطاع غزة، وتعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة الاستهداف الذي وضع النساء في صلب دائرة الخطر مقارنة بالحروب السابقة. وأشارت إلى أن استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة لا يعني فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل فقدان أمهات ومعيلات، وتحول آلاف الأطفال إلى أيتام، وما يرافق ذلك من تفكك اجتماعي وفقدان لدور الرعاية داخل الأسرة الفلسطينية، معتبرة أن آثار هذه الكارثة ستبقى ممتدة لسنوات طويلة.
وأضافت الخليلي أن إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بإعاقات طويلة الأمد تكشف عن "تكلفة صحية مركبة"، خاصة في ظل تدمير المنظومة الصحية وصعوبة توفير العلاج وخدمات التأهيل، الأمر الذي يضاعف الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية على النساء وأسرهن. كما حذرت من التداعيات الخطيرة لسوء التغذية بين النساء الحوامل، مشيرة إلى أن معاناة نحو 40% منهن من نقص التغذية لا تمس الأمهات فقط، بل تمتد آثارها إلى الأجنة والأجيال القادمة، ما يجعل الأزمة الحالية تهديدًا طويل الأمد للبنية المجتمعية والصحية في القطاع.
ورأت وزيرة شؤون المرأة أن أهمية التقرير لا تكمن فقط في حجم الأرقام الواردة فيه، بل في كونه صادرًا عن جهة أممية متخصصة، ما يمنح معاناة النساء الفلسطينيات اعترافًا دوليًا واضحًا، ويعزز حضور قضاياهن على الأجندة الدولية. وأوضحت أن التقرير يتجاوز حدود التوثيق، باعتباره "مذكرة مناصرة" تهدف إلى الدفع نحو تحرك عملي وضغط دولي أكثر جدية لحماية النساء الفلسطينيات وعدم الاكتفاء برصد حجم المأساة.
وفي ما يتعلق بإمكانية توظيف التقرير سياسيًا ودبلوماسيًا، شددت الخليلي على أن التقرير يشكل "مرجعية دولية موثقة" يمكن الاستناد إليها في المحافل الدولية لمساءلة الاحتلال عن الانتهاكات المرتكبة بحق النساء، وإعادة التأكيد على ضرورة تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بحماية النساء في النزاعات، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 1325 وقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة المتعلق بحالة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال. واعتبرت أن استمرار سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، رغم وجود منظومة قانونية دولية واتفاقيات لحماية المدنيين، يعكس "فجوة خطيرة بين الالتزامات الدولية والتطبيق الفعلي"، ويكشف عن قصور واضح في منظومة الحماية الدولية للنساء في مناطق النزاع.
وفي حديثها عن الآثار طويلة المدى للحرب، أوضحت الخليلي أن الوزارة تدرك أن الكارثة لا تتوقف عند الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى تداعيات اجتماعية ونفسية واقتصادية عميقة، خاصة مع تزايد أعداد النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأصبحن معيلات لأسرهن، إلى جانب الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما. وأشارت إلى أن الوزارة تعمل، بالشراكة مع المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، على مراجعة التشريعات والسياسات المتعلقة بالنساء والأطفال، بما يشمل حقوق الأرامل والأيتام والحماية الاجتماعية والحقوق المالية والأسرية، بهدف تطوير أطر أكثر عدالة واستجابة للتحولات التي فرضتها الحرب.
كما أكدت أن الوزارة تعمل ضمن خطط الحكومة الفلسطينية لإدماج قضايا النساء في برامج الاستجابة والتعافي وإعادة الإعمار، بما يضمن أن تكون احتياجات النساء، وخاصة المعيلات، جزءًا أساسيًا من السياسات والبرامج المستقبلية. وأضافت أن الوزارة تواصل، بالتعاون مع الشركاء الدوليين والمؤسسات النسوية العاملة في الميدان، التركيز على أولويات الدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي وتعزيز سبل العيش للأسر التي تقودها النساء، بما يضمن التعامل مع الآثار طويلة الأمد للحرب بصورة منهجية ومستدامة.
"شمس": التقرير يفضح عجز الحماية الدولية
وفي قراءة حقوقية للتقرير الأممي، أكد مدير مركز مركز شمس عمر رحال، لـ "الحياة الجديدة"، أن التقرير الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة يمكن توظيفه بوصفه "أداة ضغط متعددة المستويات"، تبدأ بإعادة تأطير الحرب على غزة باعتبارها قضية حقوق نسوية وإنسانية، لا مجرد مواجهة عسكرية.
وأوضح أن الأرقام التي توثق استشهاد ما يقارب 47 امرأة وفتاة يوميًا، وأكثر من 38 ألف امرأة وفتاة خلال فترة زمنية محددة، تكشف عن "الطابع المنهجي للاستهداف"، وتعكس، بحسب وصفه، "منطق الإجرام الذي يحكم عقلية قادة الاحتلال"، الأمر الذي يمكن استخدامه أمام الهيئات الدولية، بما فيها مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية، لإثبات وجود نمط من الاستهداف الممنهج والقصد المسبق للقتل.
وأشار رحال إلى أن التقرير يوفر أرضية دبلوماسية مهمة لطرح القضية الفلسطينية ضمن أجندة "المرأة والسلام والأمن"، وربطها بقرار مجلس الأمن 1325 الخاص بحماية النساء في النزاعات، بما يمنح القضية بعدًا قانونيًا وأخلاقيًا يضع الدول الأعضاء أمام مسؤولياتها. كما شدد على إمكانية توظيف التقرير إعلاميًا عبر تحويل الأرقام إلى قصص إنسانية تكشف حجم الكارثة، وتحرج الدول الداعمة للاحتلال سياسيًا وأخلاقيًا، خاصة أن التقرير، وفق تعبيره، "لا يقدم أرقامًا فقط، بل يكشف فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا يمكن البناء عليه في حملات المناصرة الدولية".
وأضاف أن التقرير يمكن أن يشكل وثيقة داعمة في المذكرات القانونية المقدمة إلى آليات الأمم المتحدة والمقررين الخاصين، كما يمكن تضمينه في "تقارير الظل" التي تقدمها المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، لتعزيز الرواية القانونية التي تؤكد أن ما يجري في غزة ليس حوادث متفرقة، بل "سياسة ممنهجة تهدف إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا الفلسطينيين". ولفت إلى أن أهمية التقرير تمتد أيضًا إلى إمكانية بناء تحالفات دولية مع منظمات نسوية وحقوقية حول العالم، بما يحول قضية النساء الفلسطينيات إلى قضية حقوقية عالمية تزيد من كلفة الصمت الدولي.
وفيما يتعلق بدلالات الأرقام الواردة في التقرير، اعتبر رحال أنها تعكس "فشلًا كبيرًا في منظومة الحماية الدولية"، ليس فقط على مستوى التطبيق، بل على مستوى البنية الدولية ذاتها. وقال إن مقتل عشرات النساء يوميًا في ظل وجود منظومة قانونية دولية واتفاقيات لحماية المدنيين يكشف "انهيارًا شبه كامل لآليات الردع والحماية"، ويؤكد أن الأطراف المنتهكة لا تواجه أي تكلفة سياسية أو قانونية حقيقية. كما رأى أن هذا الواقع يفضح محدودية أدوات الأمم المتحدة التي تكتفي، في كثير من الأحيان، بالتوثيق وإصدار بيانات القلق دون القدرة على فرض إجراءات ملزمة أو توفير حماية فعلية للمدنيين.
وأشار رحال إلى أن هذه الأرقام تكشف كذلك عن "ازدواجية واضحة في المعايير الدولية"، موضحًا أن حجم الضحايا في أي سياق آخر كان كفيلًا بإطلاق تدخلات وضغوط دولية عاجلة، بينما يستمر التعاطي مع الحالة الفلسطينية ضمن حدود الإدانات اللفظية. وختم بالقول إن ما يجري لا يعكس فقط فشلًا في حماية النساء الفلسطينيات، بل يشير إلى "أزمة عميقة في النظام الدولي نفسه"، تتآكل معها مصداقية المؤسسات الدولية وقدرتها على إنفاذ القوانين عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
الحرب تعيد تشكيل المجتمع وتدفع النساء إلى حافة الانكشاف
وفي قراءة ميدانية لواقع النساء في قطاع غزة، اعتبرت المديرة العامة لـمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة زينب الغنيمي، في إفادة خاصة لـ"الحياة الجديدة"، أن تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة سلّط الضوء على جانب من المعاناة اليومية التي تعيشها النساء في القطاع، لكنه في المقابل "تجنب تسمية المسؤول المباشر عن هذه الكارثة"، في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت أن التقرير، رغم أهميته في عرض حجم المأساة الإنسانية، لم يشر بصورة واضحة إلى دور الحصار والإغلاقات ومنع إدخال المساعدات والمواد الأساسية في تفاقم الواقع الصحي والمعيشي للنساء، معتبرة أن التعامل مع ما يجري في غزة بوصفه "أزمة إنسانية مجردة" يتجاهل حقيقة أن الاحتلال هو المسؤول عن خلق هذه الظروف واستمرارها.
وأضافت الغنيمي أن النساء في غزة يعشن منذ السابع من تشرين الأول واقعًا بالغ القسوة، في ظل نقص الغذاء والدواء ومواد النظافة، وغياب الرعاية الصحية المناسبة، خاصة للنساء الحوامل والمرضعات، إلى جانب تزايد الأمراض المرتبطة بسوء الظروف الصحية ونقص الخدمات الطبية. وأشارت إلى أن دخول المساعدات بصورة متقطعة وبيع كثير من الاحتياجات الأساسية بأسعار باهظة فاقم الأوضاع، مؤكدة أن بعض المساعدات المتعلقة بحقائب العناية الشخصية التي تدخل عبر صندوق الأمم المتحدة للسكان ساهمت في الحد من تفاقم الأزمة، لكنها تبقى غير كافية أمام حجم الاحتياجات المتزايدة.
وحول التحديات التي تواجهها النساء في مراكز النزوح، أوضحت الغنيمي أن النزوح الجماعي وفقدان الخصوصية والحياة داخل الخيام غيّر بصورة جذرية شكل الحياة الاجتماعية للنساء، اللواتي انتقلن من بيئة مستقرة نسبيًا إلى حياة "عشوائية وفوضوية تفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية". وأشارت إلى أن النساء يعشن حالة دائمة من الخوف وانعدام الأمان، في ظل الاكتظاظ وتشتت العائلات والعيش وسط غرباء، ما خلق بيئة خصبة للتحرش والاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وكشفت الغنيمي أن المركز وثّق حالات اعتداءات جنسية فعلية تعرضت لها فتيات داخل الخيام ومراكز النزوح، بينها حالات استهدفت فتيات قاصرات، إلى جانب محاولات استغلال النساء عبر الإغواء أو العلاقات غير الشرعية، مشيرة إلى أن بعض المتورطين في هذه الانتهاكات هم أشخاص يملكون نفوذًا داخل المخيمات أو يرتبطون بتوزيع المساعدات الإنسانية. وأضافت أن العنف الذي تتعرض له النساء داخل أماكن النزوح يحدث في بيئة مكشوفة تفتقر إلى الخصوصية، ما يدفع كثيرات إلى الصمت خوفًا من الوصمة أو الفضيحة، الأمر الذي يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال المتكرر.
وفي حديثها عن التحولات الاجتماعية التي فرضتها الحرب، أكدت الغنيمي أن آلاف النساء وجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن إعالة أسر كاملة بعد فقدان الأزواج والمعيلين، في ظل انهيار اقتصادي شامل وغياب فرص العمل. وأشارت إلى أن أكثر من 19 ألف امرأة أصبحن أرامل خلال الحرب، دون امتلاك أدوات التمكين الاقتصادي أو النفسي التي تساعدهن على تحمل هذه المسؤوليات الثقيلة. كما أوضحت أن الحرب دمّرت المؤسسات الاقتصادية والتعليمية التي كانت تستوعب النساء العاملات أو تدعم مشاريع التمكين الاقتصادي، ما دفع كثيرًا من النساء إلى الاعتماد على المساعدات وكفالات الأيتام لتأمين احتياجات أسرهن الأساسية.
وأضافت أن التحولات الاجتماعية لم تتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل طالت بنية الأسرة الفلسطينية نفسها، مع تصاعد معدلات الطلاق والزواج المبكر خلال الحرب، مشيرة إلى أن كثيرًا من الزيجات التي تمت في ظروف الحرب كانت "سريعة وهشة"، خاصة بين فتيات دون سن الثامنة عشرة، ما ينذر، بحسب وصفها، بتداعيات اجتماعية خطيرة على مستقبل الأسرة الفلسطينية. وختمت بالقول إن النساء في غزة لم يعدن يواجهن فقط خطر الحرب المباشر، بل يواجهن أيضًا "انهيارًا اجتماعيًا ومعيشيًا متسارعًا" يهدد كرامتهن وأمانهن ومستقبلهن في آن.
شهادة من الميدان: نساء غزة من حارسات البيوت إلى حارسات البقاء
وفي شهادة تعكس الوجه اليومي لمعاناة النساء داخل قطاع غزة، رأت الإعلامية ومراسلة تلفزيون فلسطين في غزة، بيداء معمر، في إفادة خاصة لـ"الحياة الجديدة"، أن أهمية تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة تكمن في أنه يكشف أن الضحايا "لسن مجرد أرقام، بل قصص إنسانية كاملة"، مشيرة إلى أن النساء والفتيات كنّ في صلب الاستهداف الإسرائيلي المباشر خلال الحرب، سواء عبر قصف المنازل والأحياء السكنية أو استهداف خيام النازحين والسيارات المدنية. وتضيف أن النساء في غزة لم يكن فقط من أبرز ضحايا الإبادة، بل تحوّلن أيضاً إلى “عناوين للصمود”، يحاولن حماية أسرهن والحفاظ على تماسكها رغم الدمار والنزوح وفقدان الأمان.
وتوضح معمر أن النساء يواجهن يومياً تحديات “تفوق القدرة البشرية"، في ظل النزوح المتكرر، وفقدان المأوى، وانهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية، مؤكدة أن العيش داخل خيمة أو منزل مدمر يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على النساء، خصوصاً اللواتي فقدن أزواجهن وأصبحن المعيل الوحيد للعائلة. وتتابع: "المرأة اليوم تتحمل أدوار الأم والأب معاً، وتقاتل يومياً لتأمين المياه والطعام والحد الأدنى من مقومات الحياة لأطفالها".
ولفتت إلى أن الحرب أعادت تشكيل دور المرأة الفلسطينية بالكامل، بعدما تحولت من شريك في إدارة الأسرة إلى “المركز الذي تدور حوله عملية البقاء”. وتقول إن النساء أصبحن يتحملن أعباء مركبة، تجمع بين رعاية الأطفال، وتأمين الاحتياجات الأساسية، ومواجهة الصدمات النفسية الناتجة عن الفقد والحرمان والنزوح المستمر.
وفي حديثها عن تجربتها الشخصية كأم وصحفية تعمل وسط الحرب، تصف معمر كيف تبدلت تفاصيل الحياة اليومية بشكل قاسٍ، موضحة أن انقطاع الكهرباء، وانعدام وسائل الراحة، والعمل المتواصل لتأمين أبسط الاحتياجات، سلب النساء حتى القدرة على ممارسة أدوارهن الطبيعية مع أطفالهن. وتقول: “لم أعد أملك الوقت أو الظروف التي كنت أخصصها سابقاً لتعليم أطفالي أو الاهتمام بتفاصيل حياتهم، فغسل الملابس يدوياً والطهي على النار والبحث عن المياه والطعام أصبحت مهام تستنزف اليوم كله”. وتؤكد أن النساء في غزة لم يعدن يعشن حياة طبيعية، بل “حالة بقاء مفتوحة” تتآكل فيها الأدوار الإنسانية والاجتماعية تحت وطأة الحرب والحصار والحرمان.
ورغم كل ما تكشفه التقارير الدولية من أرقام صادمة وشهادات موجعة، فإن واقع النساء في غزة يبدو أكبر من أن تختصره الإحصاءات وحدها. الحرب لم تسرق الأرواح فقط، بل أعادت تشكيل المجتمع الفلسطيني بأكمله، ودفعت النساء إلى مواجهة أدوار ثقيلة لم يخترنها، بين الفقد والنزوح والجوع والخوف والانكشاف الاجتماعي. وبينما تتواصل التحذيرات الأممية من الكارثة الإنسانية المتفاقمة، تبقى نساء غزة عالقات في معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من العائلة والحياة والكرامة. ومع كل يوم يمر، تتسع الأسئلة حول قدرة العالم على الاكتفاء بالتوثيق والرصد، فيما تواصل النساء دفع أثمان حرب تتجاوز حدود الموت إلى تآكل تفاصيل الحياة نفسها.
مواضيع ذات صلة
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
أنياب المصادرة تصل حي الجابريات بجنين
طوباس تُودع عاشق يافا وبيسان..
أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا
شهادات من تحت الركام تكشف حرباً تلتهم الحياة وتعيد تشكيل المجتمع من جذوره
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
مستوطنون يلاحقون جثمان ثمانيني!