وداعًا ...
شاهد عيان - محمود أبو الهيجاء

للشاعر معضلة الشرفات، تمنح آفاقا، وتمنع نجمة أن تهبط من بين الكلمات، والخيالات ترمي نشيجها في قلبه، فيتحد ويحترق، فلا يقلب غير ورد المزهريات كمثل ما يقلب أوراقه في ليل الأرق ..!!
الشاعر لحظة قلق، برغم ابتسامة لم تفارق محياه، أتحدث هنا عن عبد الناصر صالح، الشاعر الذي أبى أن يفارق قصيدته، وأبى أن يغفو قليلا، بعيدا عن حضورها، حتى وهو في لجة النعاس. لم أعرف شاعرا قبله كان مشغولا إلى هذا الحد بالقصيدة، وبحنو كمثل حنو أم على وليدها، وأظنه قد مات بنوبة من هذا الحنو، وقد كان. على أن موت الشاعر حياة لقصيدته، أجل يرحل الشاعر، وتبقى القصيدة، وسبق لمحمود درويش أن قال هَزمَتك يا موتُ الفنونُ جميعها.
على قلة ما كنا نلتقي مباشرة أنا وإياه، لم ننقطع أبدا عن التواصل يوميا، كان يرسل لي كل صبيحة، حزمة من الجرائد والنصوص على صفحة "الواتساب" وكنت في المقابل، ارسل له ما تيسر من صحيفة "الحياة الجديدة" وبعض الملاحظات على هذا النص، أو ذاك، وفي الآونة الاخيرة كان يحمل بمحبة وامتنان قصائد الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد، للنشر في "الحياة الجديدة" ما أثرى صفحتها المعنية بالأدب والثقافة.
كم كان أصيلا، ومحبا للشعر والشعراء، وكم كان كريما في صوته، فلا بحة عتب ولا بحة غضب، ومع فنجان قهوة، لا يرجو غير المودة، ولا يقبل جدلا بعيدا عن لهفة القلب، ومشاغل الروح الفلسطينية.
عبد الناصر صالح في كل ذلك كان هو القصيدة، يخلعها اليوم علينا، بحادثة التراب، فيرحل بجسده، ليبقى في كلماتها المعنى في صورته البهية.
مواضيع ذات صلة