صورة واحدة تكفي.. عندما حوّل ChatGPT الفضول الاجتماعي إلى ظاهرة رقمية
مريم شومان

لم يحتج الأمر أكثر من صورة واحدة، ولا جهدًا إبداعيًا من المستخدم، حتى يتحول الكاريكاتير المولّد بالذكاء الاصطناعي إلى واحد من أكثر الترندات انتشارًا على فيسبوك، صورة تشبهك، تلمس ملامحك، وتوحي بأنها تعرفك أكثر مما تتوقع، هذا بالضبط سر الظاهرة، وسبب قوتها وربما خطورتها الناعمة.
ما حدث لا يمكن قراءته بوصفه موجة ترفيهية عابرة، ولا مجرد تسلية رقمية، نحن أمام نموذج متقدم لكيفية اشتغال الذكاء الاصطناعي على المستوى النفسي والاجتماعي، لا التقني فقط، الترند لم يُفرض على المستخدمين، بل خرج منهم وانتشر بأيديهم وبموافقتهم الكاملة، بل وبحماسهم.
الذكاء هنا أنّ الخوارزمية لم تطلب منك بيانات إضافية، ولم تُشعرك بأنها "تراقبك"، بل قدمت لك انعكاسًا بصريًا لهويتك الرقمية كما تراها هي، الكاريكاتير ليس صورة بريئة؛ هو ترجمة مركبة لما يعرفه النظام عنك: لغتك، اهتماماتك، طبيعة عملك، وحتى الطريقة التي تقدّم بها نفسك في الفضاء الرقمي، فجأة يشعر المستخدم أن الآلة "فهمته"، وهذا شعور نادر وقوي في عالم رقمي يتسم بالضجيج والتشييء.
في السياق الاوسع، ينسجم هذا الترند تماما مع طبيعة فيسبوك نفسه، كمنصة قائمة على العرض الذاتي، والاعتراف الاجتماعي، والمقارنة المستمرة، صورة كاريكاتير شخصية تحقق ثلاث وظائف دفعة واحدة: تعبير عن الذات، محتوى خفيف قابل للمشاركة، وإشارة ضمنية إلى مواكبة التطور التكنولوجي، مزيج مثالي لانتشار فيروسي سريع.
الاحتراف في هذا الترند لا يكمن في جودة الصورة فقط، بل في هندسة التجربة، المستخدم هو المنتج، وهو المسوّق، وهو الجمهور في آن واحد، لا حملة دعائية، لا رسائل ترويجية مباشرة، بل سلسلة مشاركات طوعية خلقت نقاشًا عامًا عن الذكاء الاصطناعي دون أن يشعر أحد بأنه جزء من استراتيجية تسويق.
لكن لماذا الآن؟ لأننا نعيش لحظة تعب رقمي حقيقية، المستخدم مثقل بالأخبار الثقيلة، بالصراعات، بالخوارزميات العدوانية، وبالإعلانات المتخفية، يأتي هذا الترند ليقدم تجربة شخصية، سريعة، غير مرهِقة، وتمنح شعورًا بالمتعة والتميز دون التزام أخلاقي أو معرفي ثقيل، هو محتوى "خفيف ذكي" وتوليفة نادرة.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الأعمق للظاهرة؛ حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحويل الفضول الشخصي إلى ظاهرة جماعية، فنحن أمام تحول في العلاقة بين الإنسان والتقنية، لم تعد الخوارزميات تكتفي بتنظيم ما نراه، بل باتت تشارك في تشكيل صورتنا عن أنفسنا، وهذا التحول – وإن بدا وديًا اليوم – يحمل دلالات مهمة لمستقبل الهوية الرقمية والخصوصية وحدود التفاعل مع الآلة.
ترند الكاريكاتير يذكّرنا بحقيقة أساسية في عالم المنصات؛ أكثر ما ينتشر ليس ما هو الأذكى تقنيًا، بل ما يفهم الإنسان أكثر، الذكاء الاصطناعي نجح هنا لأنه اقترب خطوة إضافية من الإنسان، من فضوله ومن رغبته القديمة في أن يُرى، حتى لو كان ذلك عبر صورة كاريكاتير.
مواضيع ذات صلة
صورة واحدة تكفي.. عندما حوّل ChatGPT الفضول الاجتماعي إلى ظاهرة رقمية
جوهر القيم الأخلاقية في الصحافة والإعلام
نزع السلاح.. انتهاء صلاحية أم لبدء مشروع جديد ؟!
سبّورة داخل الخيام.. من يحمي الحق؟
صفد..!
بعد السابع من أكتوبر: إسرائيل تنتقل من "إدارة الصراع" إلى عقيدة "القوة المفتوحة والمفرطة"
غزة.. الجحيم الذي يطالب ضحاياه بالصبر