عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الأول 2025

"منصة الإلغاء": كيف تصنع المنصات الاجتماعية موجات التخوين والاغتيال الرقمي؟.. معتز عزايزة مثالًا

مريم شومان

 

"العربي الجيد هو العربي الميت"؛ مقولة استعمارية رددها قادة الحركة الصهيونية وقادة الاحتلال الإسرائيلي لتبرير قتل الفلسطيني وسلب أرضه، لكن المدهش أن هذا المنطق يُعاد إنتاجه اليوم في الفضاء الرقمي؛ حين يرفع بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي شعارات تشبهها دون وعي، فيطالبون بالمزيد من الموت والتضحية وكأنّ قيمة الفلسطيني تُقاس بمدى اقترابه من الموت لا بقدرته على الحياة والبناء.

في زمن الحرب، لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت ميادين افتراضية للصراع الرمزي، تُمارس فيها أشكال جديدة من العنف المعنوي تُعرف بـ"الاغتيال الرقمي."

الصحفي والناشط الفلسطيني معتز عزايزة يقدم نموذجا صارخًا لهذه الظاهرة؛ عزايزة من رمز للتوثيق الإنساني في غزة إلى هدف لحملات منظمة من التخوين والتشكيك لمجرد أنه غادر القطاع.

هذه الحملات لا تولد من فراغ، بل تُصنع بفعل منظومة تفاعلية معقدة تديرها أحيانا المنصات نفسها، فتصميمها يقوم على الانفعال؛ إذ تكافئ الغضب والجدل بالمشاهدات والانتشار. كل منشور هجومي أو مثير للسخط يُدفع للأعلى، بينما يختفي الصوت المتزن تحت ركام الضجيج، هكذا تتحول المنصات إلى محاكم رقمية، يصدر فيها الجمهور أحكامًا جماعية بالإلغاء دون محاكمة أو تدقيق، فتُنسف السمعة خلال ساعات، ويشهّر بإنسان لمجرد أنه لم يقل ما يرغب الآخرون سماعه.

في المقابل، ثمة ازدواجية رقمية واضحة: بعض المؤثرين الذين يعيشون داخل غزة أو يرددون ما يرضي الجمهور يُرفعون إلى مصاف القداسة، بينما من يتحدث بنبرة مختلفة ولو بحسْن نية يُخوّن ويُلغى. هذا التناقض يعكس أزمة عميقة في الوعي الجمعي، إذ اختُزلت الوطنية في ترديد خطاب موحّد، وتحول التضامن إلى سباق في من الأكثر غلوًّا في الولاء.

وراء هذا المشهد يقبع ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الغضب"، حيث تصبح الكراهية مادة رائجة، فكل منشور هجومي يزيد من معدّل التفاعل، وبالتالي من الأرباح الرقمية لأصحابه. ومع الوقت، يغدو التخوين وسيلة لبناء حضور رقمي لا لمساءلة أخلاقية، ويُستغل وجع الحرب كأداة للشهرة لا كمنطلق للوعي.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في الظاهرة ليس ما تنتجه من هجوم عابر، بل ما تزرعه من ثقافة إقصاء متجذرة، إذ يُغلق الباب أمام التعددية الفكرية، وتُحول النقاش إلى اصطفاف، وتعيد إنتاج عقلية المستعمِر التي ترى في الفلسطيني الحيّ خطرًا يجب ترويضه.

إنّ أخطر ما تخلّفه "منصة الإلغاء" ليس فقدان الحقيقة في زحمة الغضب، بل تآكل المعنى الإنساني للتواصل، فالفضاء الرقمي الذي وُجد ليقرّب البشر صار أداة لإقصائهم، ومسرحًا يُشرعن القسوة ويطفئ التنوع الذي تحتاجه أي قضية كي تظل حية.

دعم فلسطين لا يعني تحويلها إلى معيار يُقاس به من يستحق الحياة ومن لا يستحقها، بل يعني الدفاع عن حق الفلسطيني في أن يعيش لا أن يُدفن فقط. فالفلسطيني الجيد هو من يثبت على أرضه ويعمّر وطنه ويقود نهضته نحو التحرر الحقيقي.

لذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على نقل صورة الحرب، بل على تحرير وعينا الرقمي من ثقافة الكراهية والإلغاء. علينا أن نستعيد أخلاق النقاش، وأن نمنح أصواتنا مساحة للتفكير قبل الهجوم، فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الموتى في العالم الواقعي ولا إلى مزيد من الإعدامات في العالم الافتراضي، بل إلى أحياء يفكرون ويختلفون ويبنون.