عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2025

حفظناها.. عزيزة!

حسن حميد

 

   منذ وقت، صار بعيداً، قلت إن مستقبل الإبداع الأدبي ستكون صدارته للسيرة بوصفها الفن الأكثر شمولية وقدرة على الاستبطان، وتجلية حضور الحميمية، والبوح بالأسرار، والوقوف عند التفاصيل، وقد غدت كل حياتنا معنية بالتفاصيل، وأن ما تعرفه الرواية من شهرة وحضور اليوم، ستعرفه السيرة بوصفها فناً ذا قدرة هائلة على جمع خيوط اللعبة الفنية في يد واحدة، عنيت أن السيرة الذاتية، والغيرية أيضاً، وطيوفها (اليوميات والمذكرات، والتسجيل) قادرة على التلاعب بالضمائر التي تقود السرد أو التي ستدرجه، ولا أعني بكلمة (التلاعب) سوى كلمة التوظيف، وقادرة على توطيد مفهوم (الإيهام الواقعي)، أي الظن بأن كل ما تقوله السيرة، أو اليوميات، أو المذكرات، أو التسجيل، كان واقعاً، وحدثاً، وتجارب، وحادثات، وأحوالا.. ينبغي تصديقه.

   أعيد توكيد أهمية فن السيرة هنا، لأنني قرأت الكثير من اليوميات والمذكرات، وحالات التسجيل التي جعلت مما حدث في قطاع غزة خلال السنتين الماضيتين، وما حدث من دمار وتجريف وتشريد لأهالي المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، وثائق اجتماعية كتبتها البيوت عن الحال التي عاشتها كمفارقات راعبة ما بين الأمن والخوف، والعمران والدمار، والتهجير والاستقرار، والوفرة والندرة، والوضوح والغموض، والرؤية والعماء، والقدرة والضعف، والواقع والمجاز؛ سير مكانية..كتبتها البيوت قبل أن تصير ركاماً، وقبل أن تصير عجينة مؤلفة من حجارة، وأخشاب، وأشجار، ونباتات وكتب، وثياب، وآهات، وصرخات وأحلام، لأن كل من كانوا فيها طاروا، نعم..صارت لهم أجنحة فطاروا، أجنحة من خوف، ورجاء، وأمل، ومراوغة للموت الداهم المتجلي في أكثر من وجه وصورة، وجه الجندي، وصورة الدبابة، والطائرة، والجارفة الحديدية ذات الأنياب المخيفة، وسير أخرى كتبتها الخيام (التي صارت تعويضاً عن البيوت) وما حدث فيها، وما لفها من قصص مذهلة، نصفها واقع، ونصفها الآخر خيال، خيام تحكي عن حالات الفقد اليومية للأبناء، وحالات المضايفة لنازحين جدد، وحالات العوز المتكاثرة يومياً من شربة الماء إلى لقمة الخبز، ومن حبة الدواء إلى الكلمة الطيبة، وخيام تحكي عن خوفها من أمطار الشتاء، وهبوب الرياح، والنار الملقاة من الطائرات المسيرة، والطائرات النفاثة، والمدافع الغاضبة، والدبابات العمياء، والخوف من الجارفات الصفر ذات الحجوم المهولة التي جرفت الخيام وكأنها أجمات شوك أو كمائن شيطانية؛ وخيام تحكي عن الوجه الآخر للتشبث بالحياة، وكأن أوتاد الخيام صارت جذور أشجار الزيتون أو الخروب، ومنها حياة الناس المنادية( ما دمنا فوق الارض..فنحن في عافية)، ومنها التعالق مع الأمل البادي على شكل أم تمشط شعر ابنتها الطفلة، وتغني، ومنها..تدريس الطلبة وإكسابهم مهارات جديدة داخل خيمة مات ساكنوها جميعاً، وخيام تحكي عن النساء اللواتي يلدن في صمت مهيب، بلا أصوات، بلا صراخ، بلا أطباء، بلا أدوية، بلا دفء، بلا زغاريد، وحين يصرخ الوليد، تهمهم ذواكر النسوة بخفوت: الله اخذ، الله أعطى!وسير ثالثة كتبتها المدارس التي ما عادت مدارس، بعد أن أصبحت ملاجئ للنازحين والمشردين والمهجرين، مدارس تحكي عن الشهداء الذين ماتوا داخل الصفوف، وفي الباحات، وعن الدمار الذي لحق بها، وعن الحرائق التي شبّت فيها، وعن جنباتها التي صارت مقابر، وعن ملاعبها التي ما عاد التلاميذ يلعبون فيها ألعاب الكرات، أو الجري، او لعبة عسكر وحرامية، مدارس تكتب عن نشيد بلادي، بلادي، الذي كان ينشد في باحاتها الرملية ترحيباً بالصباحات التي احترقت، تكتب عن المساءات التي استعادت المدرسين إليها ليدرسوا الرياضيات والتاريخ للتلاميذ قبل أن يناموا، وليدربوهم كيف يصعدون سلالم المجد  والحلم، مدارس تحكي عن أبوابها ونوافذها ومقاعدها وكراسيها و خرائطها ومستودعاتها.. وقد طالتها يد الشر،  وسير رابعة كتبتها المشافي التي ما عادت أمكنة يطلب الناس فيها الراحة والسلامة والأمان والدواء والشفاء من ويلات الحرب، المشافي التي صار لكل سرير فيها قصة متعددة الرواة، والأخبار، والخواتيم، سير كتبتها المشافي فتحكي عن مستودعات أدويتها، ومخازن غلالها، ومعدات آلاتها وأجهزتها التي دمرت أو أحرقت أو أتلفت، سير كتبتها المشافي عن الأطباء الذين بكوا عندما فقدوا كل قدرة على إنقاذ الجرحى، فبتروا الأذرع والأرجل بالسواطير من دون أي مخدر، بكوا مع الأطفال الخدج الصارخين لأن الأوكسجين نفد، والدفء طار، والكهرباء غابت، وعن الأطباء الذين كانوا ينتظرون زوادة الطعام الآتية من بيوتهم، كما لو أنهم الحراثون او الرعيان في الحقول والمروج البعيدة، وحين لا تأتي زوادات الطعام تصير المخاوف أجمات شوك، وتلالاً من الأسئلة المخيفة، وسير كتبها حفارو القبور، وما أكثرهم، سير تروي العجب العجاب عن جثث الشهداء التي هي بلا رؤوس، بلا اذرع، بل أرجل، بلا عيون، وعن ألوان الأكفان، وعن الأشلاء التي تمثل أسماء أصحابها، وعن الجثث التي سرق الإسرائيليون أعضاءها النبيلة، وسير تماشي أحزان الناس التي عرشت في المقابر مثل الدوالي، وسير تروي مواجع الحفارين الذين دميت أيديهم من كثرة الحفر، ومن خوفهم على الجثث التي دفنوها حديثاً، من أن تنبشها الكلاب الجائعة، وسير تروي كيف تحول الحفارون إلى أدلاء يرشدون الناس إلى قبور من فقدوهم، لأن القبور بلا شواهد، ولأن المقبرة تغير هيئتها، ومساحتها يومياً، وسير يرويها ( العربجية) أصحاب  عربات( الكارو) الذين نقلوا ما تبقى من  أثاث البيوت من مناطق  الشمال إلى مناطق الجنوب، ثم من مناطق الجنوب إلى مناطق الشمال، وكم تهشم أثاث البيوت وكم قل وفقد، سير تحكي عن الخيول والكدش والحمير التي ماتت ورغوة الزبد تغطي شفاهها، لأن علفها قل وانعدم، ولأنها ماتت تعبا وعطشا، وعن العربات الخشبية التي فقدت دواليبها، وعن الجرحى الذين فقدوا عيونهم وأرجلهم، وعن النساء الحوامل اللواتي ولدن فوق العربات، ووسط الدروب الترابية، والضجيج، وحومات الغبار!

نعم، هذه التفاصيل ستصير جوهر حكايتنا، حين ستنهض بها السير التي كتبتها البيوت والمدارس والمشافي والمقابر، وعربات الجر.. لتقول للعالم وبالصوت العالي: هكذا حفظنا الحياة، هنا، عزيزة، في البلاد..العزيزة.

Hasanhamid5656@gmail.com