عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 تشرين الأول 2025

هل سيصمد وقف الحرب؟

 

باسم برهوم

بعد التجربة المرة لحرب العامين في قطاع غزة، وغياب الثقة تماما، تبقى المخاوف والقلق من ان ينهار كل شيء ونعود لدائرة حرب الإبادة والتدمير. طرفا الحرب المباشران الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وحماس ولأسباب مختلفة، لهما مصلحة باستمرار الحرب، أو إبقاء الفرصة لاستئنافها، فرئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يرغب باستمرار حكومته، ويصر على ان يحقق النصر الكامل كما يدعي. اما حماس فهي تصر على مواصلة مناوراتها عبر الحرب  بهدف الحصول على ضمان يؤمن لها دورا مؤكدا في المستقبل، وضمان حياة قيادتها وكوادرها.

بالمقابل يعود الأمل في استمرار  الهدوء ووقف الحرب لقوة  العوامل التي أدت إلى وقفها. وابرز هذه العوامل هو سأم واشمئزاز العالم من مشاهد الإبادة الجماعية البشعة، بمعنى ان المجتمع الدولي لم يعد يقبل باستمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة. وان يقبل بمواصلة الصمت عن جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، وهول رد هذا الجيش ووحشيته على هجمات السابع من أكتوبر. عامل آخر هو مخاوف الدول العربية والدول الأوروبية الرئيسية من الاهداف التي يسعى لتحقيقها نتنياهو بدعم أميركي، وخاصة هدفه المعلن بتغيير واقع الشرق الاوسط جوهريا، مما يجعل إسرائيل دولة متحكمة بالمنطقة، والقلق الدولي من رغبة نتنياهو وحكومته المتطرفة في انهاء حل الدولتين تماما وتدمير كل فرصه. هذه المخاوف والقلق هي التي ادت إلى ظهور  تحالف عربي أوروبي ودولي، بقيادة السعودية وفرنسا، تحت شعار حماية حل الدولتين، والذي ادى إلى سلسلة الاعترافات المهمة بالدولة الفلسطينية.

هناك عوامل مباشرة تتعلق بالتطورات داخل إسرائيل وتآكل الدعم الشعبي لاهداف نتنياهو وحكومته المتطرفة من الحرب، بالاضافة إلى المخاوف من تآكل شرعية الحرب وشرعية إسرائيل ذاتها على الساحة الدولية. من جهة اخرى الضربات القاسية التي تلقتها حماس وفقدانها العديد من قيادتها وكوادرها العسكرية ونقص التسليح، واخرها الإنذار الإسرائيلي المباشر لقيادة حماس السياسية بعد ضربة الدوحة الأخيرة.

ومن العوامل الهامة الأخرى،  يأتي  موقف السلطة الوطنية الفلسطينية، والرئيس محمود عباس. الذي اعلن التزامه بالمتطلبات الدولية بما يتعلق بخيار التفاوض والإصلاحات على الصعيد الداخلي. والتزامه بان يكون في فلسطين سلطة وقانون واحد وقوة امنية واحدة. وبالتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات. بالاضافة إلى تغيير مناهج التعليم بما يتلاءم مع معايير اليونسكو. وما تجدر الإشارة اليه هو أن معظم هذه المتطلبات كانت منذ سنوات طويلة هي حاجة وطنية فلسطينية، بما في ذلك تغيير وتطوير مناهج التعليم لأن الهدف من أي تعليم هو انتاج انسان فلسطيني معرفي له عقل مستقل وقادر على اتخاذ قراراته بحرية.

أما العامل الاخير، وهو في حالة غزة مهم للغاية، ويتعلق بموقف الرئيس الاميركي ترامب، والذي اعطى الوقت والدعم الكافي لنتنياهو للاستمرار بحربه، ولكن بالمقابل لا يقبل هذا الرئيس ان يكون مع نتنياهو في سلة واحدة في نظر العالم اليه، بالإضافة إلى رغبته المعلنة بالحصول على جائزة نوبل وان يكون صانع سلام لا صانعا للحروب.

يمكن القول ان مبادرة الرئيس ترامب جاءت نتيجة لنضوج  كافة العوامل المشار اليها. من هنا  قد ترجح كفة وقف الحرب على استمرارها، او حتى استئانفها، ومع ذلك لا يمكننا الوثوق تماما بنوايا الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، لذلك سيتواصل القلق وتتواصل المخاوف، خصوصا إذا قدمت حماس الذرائع لهذه الحكومة عبر إصرارها ان تختفظ بدور لها في اليوم التالي في قطاع غزة. او انها، اي حماس واصلت التصرف وكأنها هي الناطق باسم الشعب الفلسطيني، وتواصل ربط نفسها بأجندات خارجية.

الترجيح لوقف الحرب من الناحية النظرية هو اقوى اليوم من استمرارها، وما على الشعب الفلسطيني إدراكه، وبالتالي إعداد نفسه له جيدا، ان حربا من نوع آخر قد بدأت للتو، وهي المعركة السياسية  التي لا تقل خطورة عن حرب الإبادة، لأن القضية الفلسطينية لا تزال مهددة بخطر التصفية. ما أعلنه الرئيس محمود عباس مؤخرا  في خطاباته وتصريحاته من التزامات على الشعب الفلسطيني أن يدرك أن هذا الالتزام يحتاج إلى الدعم الشعبي، والعمل على  تسهيل عمل السلطة في سياقها. لأن البديل خطير وخطير جدا.