عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 أيلول 2025

جسر بنات يعقوب..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

قالت جدتي: لا أدري من لحق بمن، الجسر بالقلعة، أم القلعة بالقصر، ما أدريه هو أنّ للقلعة بوابة حجرية كبيرة، وللقصر بوابة رخامية كبيرة أيضاً، أما الجسر الذي يعلو سرير النهر فوق قناطر حجرية ثلاث واسعة الفتحات فكان بلا بوابة، وحين وعيت عرفت أنّ للقلعة أصحابها، وأنّ للقصر أصحابه، أما الجسر فكان لله.

بلى، هي جدتي التي قادتني إلى سؤالي الذي ظل يحيرني طويلاً، لماذا سمي جسر بلدتنا (كراد البقارة) بـ (جسر بنات يعقوب)، ومن هو هذا اليعقوب؟ أهو أحد سكان القرية، أم هو رجل حرب أراد أهالي القرية تخليد اسمه، أم هو رجل صالح أرادوا مباركة الأرض باسمه، أم هو عاشق فقد عشيقته هنا، قرب ضفة نهر الأردن المقدس، كما روت جدتي، حين افتكها منه موج النهر العالي الهادر، ولم يستطع أحد مساعدته في ذلك الليل البهيم الذي لفته رياح هوج باردة، حتى أجمات القصب ما استطاعت مساعدته لأنها انحنت كي تمر غضبة النهر، ولا جذوع أشجار الخروب والسنديان والتوت الضخمة وقفت إلى جانبه وهو يصرخ وينادي: دندي، دندي! لقد اندفعت (دندي) من صدره مثل صخرة نتقتها علوة الجبل الأشيب، فهوت نحو انحدار رهيب، بعد أن كان يغمرها بين ذراعيه ويشدها إلى صدره كما لو أنه يريد حشوها فيه، وصرخت (دندي) وبكت، ومدت يديها نحوه، بعد أن أفلتت، ورآها تطير مثل باشق، تبدو وتختفي بين هدرة وأخرى للنهر الغضبان، لقد رآها تضيء مياه النهر المذعورة وأشجاره الواقفة بذهول.

 أكدت جدتي: الأرجح أن يعقوب هو عاشق، وأن سريري النهر غدا قبراً لعشيقته دندي، وأن الناس خلدوه بأن سموا الجسر باسمه لأنه فقد ذراعيه، وهو يغالب النهر كي لا يفتك منه عشيقته (دندي)، ولأنه فقد عينيه الاثنتين، لأن أغصان الأشجار اقتلعتهما من دون قصد، ولأنه فقد ساقيه عندما انحلت ركبتاه، ولأنه حين رأى (دندي) تسوقها غضبة النهر بعيداً عنه، أصيب بالخرس. قلت: ومن أين جاءت بناته، وقد ماتت( دندي)، والجسر لم يسم باسمه، بل سمي باسم بناته، فلم ترد، لأنها غفت!

لا شك أن يعقوب كان عاشقاً، وقد أكدت جدتي هذا طوال حياتها. أما أنا، فكبرت وقرأت، وبحثت، ووعيت، واقتنعت بأن العشق جدير بالخلود، وقد أثرت فيّ وهزتني قولة جدتي: لقد مات يعقوب مبلولاً مثلما ماتت (دندي) مبلولة، ولم يعثر أحد على قبر له، مثلما لم يعثر أحد على قبر لـ (دندي)!

قالت جدتي أيضاً: وراحت قصة عشق يعقوب و(دندي) تكبر سنة بعد سنة مثل الأشجار، فقيل إن يعقوب كان بائعاً جوالاً، أحب القرى، والناس، والدروب والبراري، وحين رأى (دندي) وقع على وجهه، فقال أهل قريتها: أنهكه التعب، الشمس ضربته، توقف قلبه، إنه عطشان وجوعان، إنه مريض، وقد أحاطت به طاسات الماء، واللبن، مثلما أحاط الخوف بمن هم حوله، كانوا خائفين وحزانى لأن قدره لاقاه هنا في قريتهم ! الوحيدة التي لم تخف ولم تحزن كانت (دندي)! وحين غسلوا وجهه، وعنقه، وشعر رأسه، ويديه، وصدره، غادرته سكتة العشق، ففتح عينيه، وحين غادر القرية بعد الغروب، ما كان وحيداً، كانت دندي إلى جواره تسمع ما يقوله عن القرية التي بنيت على الجبال، والناس يصعدون إليها في دروب ملتوية، القرية التي بنيت بالحجارة القمرية، والتي تماشيها روائح الزهر، وزقزقات الطيور، وشميم القهوة، وأصوات الموسيقى، والكلام الدافئ، وزكاوة الكعك الأشقر، وذبالات الشموع التي يهزها الهواء الرخي، وقال لها: ستسعدين وأنت تجولين في الاسواق، وأمام البيوت والنوافذ والعرائش والعتبات والمصاطب النداهة، وستدهشين وأنت ترين أنوار المساجد المهيبة، التي أضاءتها قناديل النحاس، وسحر الكنائس التي نورتها الشموع، وسوف تشعرين بالدوخة وأنت تشمين بخور اليمن والهند وبلاد فارس، وضج قلبها بالفرح، لكن حين وصلا إلى ضفة النهر لم يجدا رفوف البط والإوز، ولا صبايا قرية (كراد البقارة)، ولم يسمعا الغناء العذب، لأن النهر كان يدور داخل غضبته، فافتك (دندي) من صدر يعقوب الذي ركض وراءها مثل مجنون، ففقد ذراعيه وعينيه وساقيه ونطقه.

يا لجدتي التي قالت لي: كان لا بد لنا نحن نساء (كراد البقارة) من أن نستل دموعنا كلما اقتربنا من الجسر، ومن النهر، ومن المخاضات الحجرية التي بناها أهل القرية نزولاً نحو قاع النهر كي لا ينحدر أو يثور أو يغضب!

 وحين علتني الكتب وعلوت بها، عرفت أن يعقوب هو واحد من اليعاقبة الكثر الذين عرفتهم قريتنا، وهو لم يكن محاربا،ً ولا رجل إصلاح، أو رجل هداية، ولا عاشقاً كما قالت جدتي، أنا الآن، وبعد كل القراءات الطوال حول الجسر والنهر وقراه، في حيرة من أمري، حيرة تدور حول سؤال بسيط هين: لماذا سمي الجسر بـ (جسر بنات يعقوب)، لا بد من أن الأمر يتعلق بالبنات لا بيعقوب الأب، ولم أعرف الإجابة، وقد بحثت عنها في كتب الأنهار، وكتب التاريخ، والجغرافية، والميثولوجيا، والأساطير، لقد عرفت من بنى (قصر عطرة) القريب من الجسر، وهو قصر جميل، كانت إضاءة قناديله ليلاً تجعله شرفة واسعة تطل على النهر، فيرى الجالسون فيها مياه النهر الفضية وهي تمشي الهوينا منحدرة نحو بحيرة طبريا في الجنوب، وعرفت أن (عطرة) هي سيدة القصر، وهي واحدة من جميلات الدنيا الزواهر، وعرفت من بنى (القلعة) ومن أحاطها بالأسوار، وخنادق الماء، وبساتين الخضرة والثمر والأطيار، وعرفت أدراجها وأنفاقها ومستودعاتها، واصطبلات خيولها وماشيتها، ودروبها السرية، لأنها كانت مهجورة، ولا أحد فيها، ولا حراس لها، لذلك وقد صارت ملعباً لنا نحن صغار قرية(كراد البقارة).

حيرتي ظلت تكبر وتكبر مثل كتل الغيوم التي تدفعها يد السماء هونا، إلى أن جالست الورق، وكتبت رواية الجسر، (جسر بنات يعقوب)، وأجبت عن سؤالي الطويل الطويل، لماذا سمي الجسر بـ (جسر بنات يعقوب)، عندئذ ارتاحت نفسي، وأنست بمن يمرون، لقد كان أكثر دهشة من (سينما) اليوم، لأن من يعبرونه كانوا أقواماً مدهشين، ووجوههم ملونة، وعيونهم ملونة، وثيابهم ملونة، ولغاتهم ملونة، ولا شيء يوحدهم سوى الدرب البري الذي يمر من فوق (جسر بنات يعقوب) قاصداً دنيا اسمها القدس!

[email protected]