عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 أيلول 2025

فلسفة الصبر وإستراتيجية قوة المنطق في مواجهة منطق القوة

اللواء أنور رجب*

الطريق الذي اختاره السيد الرئيس محمود عباس نحو إقامة الدولة الفلسطينية لم يكن سهلا أو مسارا تقليديا، لكنه نهج يزاوج بين التمسك بالثوابت الوطنية والقدرة على إدارة معركة سياسية طويلة النفس.

لقد أراد أن يثبت للعالم أن الفلسطيني قادر على أن يواجه الاحتلال بأدوات القانون الدولي والشرعية الأممية، وأن يُحرج القوة الغاشمة بميزان الحق لا بميزان الدم، بقوة المنطق لا بمنطق القوة.

منذ البداية، رسم الرئيس خطا واضحا، لا مغامرات انتحارية، ولا تفريط بالحقوق، اختار الاشتباك السياسي والدبلوماسي والقانوني، لا لأنه الأسهل، بل لأنه الأصعب والأكثر تعقيدا، ولأنه الطريق الوحيد الذي يحفظ للشعب حقه التاريخي دون أن يزجه في دوامة الخسارات الكبرى. كثيرون لم يدركوا في حينه أن هذا الخيار، على هدوئه الظاهري، كان مواجهة حقيقية لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال الوطني الفلسطيني، لا بل أثبتت النتائج أنه أكثرها جدوى ومنطقية.

في خطاباته، أعاد السيد الرئيس صياغة الوعي الوطني بلغة سياسية متماسكة، لم يتوقف عند حدود المطالبة بالدولة، لكنه ذهب إلى عمق التاريخ السياسي حين طالب بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور الذي مهد لقيام الاحتلال، وربط هذا المطلب بحق الشعب الفلسطيني في أن يُعترف بدولته المستقلة كاملة السيادة. هذا الموقف شكل إعلانا أن الصراع ليس فقط على الأرض، وإنما على الرواية، وأن من تسبب بالكارثة عليه أن يواجه مسؤوليته الأخلاقية والسياسية، وبات مشروعا سياسيا وليس مجرد رمزية تاريخية.

وحين توجه إلى الأمم المتحدة عام 2012 ليطالب بالاعتراف بفلسطين كدولة مراقب، صوتت له غالبية ساحقة من دول العالم، يومها اتهمه البعض بالعبث السياسي، ورأى آخرون أنه يركض وراء سراب، غير أن مرور السنوات أثبت أن منطق السيد الرئيس محمود عباس لم يكن عبثا، بل كان تأسيسا لمسار طويل تكلل اليوم باعتراف دول وازنة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، وهكذا تبين أن ما كان يُنظر إليه باعتباره "ترفا سياسيا" صار واقعاً يفرض نفسه على المسرح الدولي.

نعم، لم تكن الطريق سهلة، فقد تعرض الرئيس لتحريض إسرائيلي متواصل، وُصم بزعم "عدو السلام"، واختلقوا له اتهاما لم تألفه قواميس العلوم السياسية وهو "الإرهابي الدبلوماسي" وهو في مضمونه يعبر عن مدى انزعاجهم لأنه تمسك بالشرعية ورفض الاستسلام لمعادلة القوة. كما حورب من أطراف عدة لم تفهم أن خياره السياسي لم يكن تنازلا، بل دفاعا شرسا عن جوهر القضية. ومع ذلك، ظل ثابتا، مؤمنا أن دم الشعب أثمن من أن يستهلك في معارك لا أفق لها، وأن الكلمة حين تقال في المكان الصحيح قد تحدث ما لا تحدثه المدافع والطائرات والصواريخ.

اليوم، مع كل اعتراف جديد بالدولة الفلسطينية، يثبت نهج السيد الرئيس محمود عباس أنه لم يكن خيارا تكتيكيا، بل رؤية إستراتيجية متجذرة، رؤية تؤمن أن فلسطين لا تختصر في صراع حدود، بل هي معركة سردية وتاريخ وحق، وأن الطريق إلى الدولة –مهما طال– لا بد أن يعبد بالسياسة الصلبة، لا بالمقامرة العمياء.

المطلوب الآن وبعد أن دفع شعبنا الفلسطيني ثمنا باهظا واستثنائيا وما زال يدفع فاتورة الرعونة السياسية والأجندات العابرة للوطنية الفلسطينية بعد أحداث 7 أكتوبر، فإن الضرورة الوطنية تقتضي أن يلتف الجميع ودون تردد حول رؤية السيد الرئيس للمرحلة المقبلة والتي عبر عنها في خطابه أمام مؤتمر حل الدولتين، وألا نكرر أخطاء الماضي القريب حين تنكر البعض لرؤيته من قصيري النظر، وأصحاب المشاريع الوهمية والأجندات الشخصية، وبائعي الأوهام، ومروجي السراب، والتحق بهم من ظهرانينا من انطلت عليه أكاذيبهم وعنترياتهم.

إن المؤسسة الأمنية ومن أجل حماية مشروعنا الوطني ونظامنا السياسي، ستأخذ على عاتقها أن تشكل سياجاً حاميا لرؤية السيد الرئيس محمود عباس، وسدا منيعا أمام أي محاولات لحرف بوصلة العمل الوطني الفلسطيني عن مساراته التي جاءت في خطابه ورؤيته، وستقف بالمرصاد وبكل مسؤولية وطنية أمام أي مساع أو محاولات لجماعات أو تشكيلات لجرنا لمربعات لا نريد أن نصل إليها، بغض النظر عن العناوين واليافطات والشعارات التي ستتدثر بها أو تختبئ خلفها تلك الجماعات أو التشكيلات.

-------------

* المفوض السياسي العام- الناطق الرسمي لقوى الأمن الفلسطيني