عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 أيلول 2025

غزة في انتظار غودو

باسم برهوم

ذكرني واقع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة اليائس من قدرة العالم على وقف حرب الإبادة الجماعية المروعة، بمسرحية الكاتب الإيرلندي العبقري صامويل بيكت "في انتظار غودو" وهي المسرحية التي يصنفها النقاد بأنها قد تكون الأهم في القرن العشرين، كونها تعالح عبثية الحياة البشرية، ودوام انتظار البشر العون من شيء لتخليصهم من معاناتهم، وهذا الشيء لا يأتي ولن يأتي أبدا، بمعنى أن بيكت أراد القول: إن خلاص البشر هو أمر بيدهم، وينبع من داخلهم وبإرادتهم وبقرارهم. المشكلة في أن قرار وقف الحرب هو بالأساس بيد شخصين نتنياهو والرئيس ترمب، وبالنسبة للغزيين، وهم ينتظرون قرارا لوقف الحرب من هذين المسؤولين.. هو أشبه بمن ينتظر غودو.

حرب الإبادة التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة ستدخل بعد أيام عامها الثالث، في كل يوم من أيام هذه الحرب، كانت آلة الحرب الإسرائيلية تقتل المئات، معظمهم أطفال، كانت تدمر بيوت الناس ومدارس وجامعات أبنائهم، تقتل المستقبل.

ويمكن تخيل، وربما لا نستطيع ونحن بعيدون أن نتخيل ماذا جرى من أهوال خلال 730 يوما من حرب الإبادة الجماعية. في غزة اليوم استشهد وجرح أكثر من 250 ألف مواطن، هناك 14 ألف طفلة وطفل أصبحوا إما بلا أطراف، أو أعين، أو أصابتهم الحروق.. في قطاع غزة ما مجموعه 50 ألف من الأطفال والنساء والشابات والشباب وكبار السن هم اليوم بلا أطراف أو عيون أو أصابتهم الحروق، وأكثر من مليون ونصف المليون مواطن بلا مأوى.

غزة اليوم وبعد عامين من الحرب بلا مستشفيات، ولا مدارس ولا جامعات، بلا شبكات مياه ولا كهرباء. والبيئة ملوثة بالكامل، لقد حولت إسرائيل قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة. المشكلة أن الحرب تتواصل ولا أحد من غير من يملكون قرار وقفها قادر على التأثير الحقيقي من أجل وقفها، ولا يزال نتنياهو يحصل على السلاح والوقت الذي يريد دون التفات لأكثر من مليوني مواطن يتضورون جوعا، ويقول وبشكل علني إنه قد يحتاج إلى سنة أخرى، واذا حصل على كل هذا الوقت سيقوم بالتأكيد بتهجير مواطني غزة قسرا ويحتل القطاع ربما لفترة طويلة قادمة، أو إلى ما لا نهاية.

لا يمكن أن نصف ما يصيب مواطني غزة بأنه لعنة، إنه شيء من صنع البشر، بالتأكيد حماس أخطأت، وارتكبت حماقة، بل جريمة لا يمكن تبريرها، ولكن هل على المواطنين العاديين المدنيين المسالمين في قطاع غزة دفع كل هذا الثمن؟

من بيدهم وقف الحرب ليسوا جادين في أحاديثهم عن وقفها، الرئيس الأميركي اجتمع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأول، مع زعماء عرب ومسلمين وقدم لهم مبادرة لوقف الحرب تتلخص بتسليم حماس للرهائن، وأن تعلن أنها ستسلم سلاحها وأنها لن تشارك في حكم قطاع غزة في المستقبل، وتحدث عن خطة لإعادة الإعمار، تسهم فيها دول الخليج ماليا، وتشكيل قوة أمنية عربية إسلامية ودولية، لكنه بعد الاجتماع قال إنه سيلتقي نتنياهو وإن وقف الحرب يحتاح إلى وقت طويل.

هذا التصريح لا يطمئن، وفيه مزيد من الوقت لنتنياهو ليواصل الحرب ربما لأشهر أخرى. كل ذلك يتم في وقت تعهد فيه الرئيس محمود عباس بأنه سيتم نزع سلاح حماس. وقال إنها لن تشارك في الحكم، إذن ما هي المشكلة في أن يسلك العالم الطريق الأكثر ملاءمة لسلام دائم وثابت في المنطقة؟ لماذ لا يختار الرئيس ترمب الطريق التي سلكتها الدول الأوروبية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ويحقق السلام الشامل والدائم؟

إن كل يوم يمر يعني أن العشرات من الفلسطينيين سيفقدون حياتهم، سيعني تدمير ما تبقى من منازل المواطنين، وأطفال سيتحكم اليأس بهم أكثر فأكثر، وتزداد معاناتهم وجوعهم، جيل جديد لا يعرف المدارس ولا التعليم، وينتظره الموت في كل لحظة.. أطفال غزة يعيشون في الوقت الضائع إلى متى؟

هذا السؤال لا يحتاح مجيء غودو بل قرارا من أصحاب النفوذ والتأثير.