اعتراف بريطانيا الثمين بالدولة الفلسطينية
باسم برهوم

انتظر الشعب الفلسطيني طويلا، انتظر أكثر من قرن، حتى يرى هذه اللحظة التاريخية، التي تنتقل فيها بريطانيا من كونها صاحبة المشروع الصهيوني والراعي والداعم له، الى موقف اكثر توازنا، اكثر انصافا، لذلك يعتبر الاعتراف البريطاني اعترافا ثمينا، اعتراف وزنه من الذهب.
على امتداد اربعة عقود قبل العام 1948، كان جزء مهم من كفاح الحركة الوطنية الفلسطينية السلمي هو محاولةً لإقناع الانجليز للتخلي عن وعد بلفور، ولكن هذه المحاولات فشلت كل الوقت، ولكي نكون منصفين، فإن الحركة الوطنية أخطأت أولا عندما راهنت لحصول هذا التحول الذي كان يتناقض في حينه مع المصالح الإستراتيجية للامبراطورية البريطانية، التي كانت تنظر لفلسطين بأنها خط الدفاع الشرقي عن قناة السويس، وثانيا، لم تحاول الحركة الوطنية الفلسطينية استثمار تضحيات الشعب الفلسطيني من خلال استخدام شعار "خذ وطالب"، ولكن بالرغم من اخطاء الوطنيين الفلسطينيين، إلا ان الواقع يقول ان بريطانيا كانت مصممة على انشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، والذي أصبح دولة في العام 1948.
بعد كل هذا الزمن، يشعر الفلسطينيون بشيء من الانصاف، فإن الاعتراف مهم ولكن لا يكفي وحده، على بريطانيا اكثر من غيرها واجب ان تضع الدولة الفلسطينية فعليا وعلى ارض الواقع على خريطة الشرق الأوسط بكامل إقليمها، اي على حدود الرابع من حزيران/ يونيو عام 1967، بما يضم الضفة بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة.
الخطوة البريطانية يمكن وصفها بالتاريخية، وانها ستكون كذلك فعلا اذا اسهمت في وقف حرب الإبادة الجماعية المروعة في غزة، وساهمت في منع فصل القطاع عن الضفة، بمعنى افشال مخطط "ريفيرا غزة"، والحفاظ على إعادة اعمار القطاع باعتباره الجزء الأهم من اقليم الدولة الفلسطينية وتحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تمثل نواة الدولة الفلسطينية.
اذا ساهمت بريطانيا بجهود تقود الى حل الدولتين ووضع فلسطين على الخريطة مجددا يكون الشعب الفلسطيني ممتنا لها بالفعل، ويتعامل مع الماضي كتاريخ، وان صفحة جديدة في علاقات الشعب الفلسطيني مع بريطانيا قد فتحت، علاقة تعاون متينة تراعي مصالح الطرفين.
اهمية الاعتراف البريطاني انه ومهما طال الزمن سيعتبر مقدمة لاعتراف أميركي بالدولة الفلسطينية، صحيح ان المواقف البريطانية الاميركية لم تكن متطابقة بما يتعلق بأمور كثيرة بشأن الشرق الاوسط، فالعلاقات بين واشنطن ولندن كانت تتأرجح بين التنافس الشديد على المصالح النفطية والاستراتيجية في مرحلة الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين بعد ان استحوذت الولايات المتحدة على النفط في الشرق الاوسط نهاية الثلاثينيات، إلى علاقات تنسيق وتعاون في المواقف، خصوصا خلال حقبة الحرب الباردة.
ومع ذلك فإن واشنطن تنظر لمواقف الحليف البريطاني بأهمية خاصة، وانها تعتمد على الخبرة البريطانية باهتمام، وما يجب ان نأخذه بعين الاعتبار، ومن زاوية اخرى، ان لندن لا تقدم على اي خطوة بعيدة المدى من هذا النوع من دون التشاور وحتى التنسيق المسبق مع واشنطن، وبالتالي تعتبر الخطوات البريطانية غالبا مقدمة لخطوات أميركية في السياسة الدولية، وان لم تأتِ سريعا او في المدى المنظور.
الاعتراف البريطاني لا يمكن اعتباره إلا تغيرا استراتيجيا، خصوصا إذا ألحقته لندن بخطوات عملية تكرس الدولة الفلسطينية.
في عام 1947 نأت بريطانيا بنفسها عن قرار التقسيم، وامتنعت عن التصويت على القرار، ليس خوفا من غضب العرب، الذي لبريطانيا مصالح إستراتيجية في بلادهم، قناة السويس والنفط، والموانئ على البحرين الابيض والأحمر، وباب المندب ومضيق هرمز، والخليج العربي، وانما ايضا كانت تريد ارضاء حلفائها العرب بمنحهم اجزاء من فلسطين. كانت تعتقد انها بذلك تحافظ على ما تبقى لها من وجود في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.
اعتراف أمس الأحد حدث مهم في تاريخ علاقة بريطانيا بالمنطقة، علما ان تفسير تشرشل لوعد بلفور الذي جاء في الكتاب الأبيض عام 1921، لم يشر إلى ان فلسطين كلها ستصبح وطنا قوميا لليهود، وهو التفسير الذي بقي معتمدا حتى نهاية الانتداب.
لنضع صفحة التاريخ المعقد والصعب جانبا اليوم لنقول لحكومة رئيس الوزراء البريطاني ستارمر شكرا على هذا الاعتراف التاريخي، فاليوم نفتح صفحة جديدة من تاريخ جديد قد يكون اكثر انصافا للشعب الفلسطيني، ويقرب بريطانيا اكثر من منطق العدل، لننتظر الخطوات ما بعد الاعتراف والتي ستؤكد او لا تؤكد هذا التغيير الذي نريده.
الفارق بين التاريخ والراهن ان للشعب الفلسطيني قيادة ورئيسا يقوم بما يستطيع كي لا تضيع تضحيات الشعب الفلسطيني أدراج الرياح، كمرات كثيرة سابقة، فموقف القيادة الفلسطينية الشرعية المعتدلة تسهم في انجاز هذه الاعترافات، كما لا بد من الإشارة الى دور المملكة العربية السعودية، والتي تقود مع فرنسا هذا التحرك على الساحة الدولية لحماية حل الدولتين والحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة. وهمُّ الجميع اليوم ان تتوقف الحرب في غزة، وان يتمكن الشعب الفلسطيني من استثمار تضحياته في موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية