عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2025

قصيدة الفن التشكيلي

حسن حميد

كثيرة هي الكتب والمؤلفات التي حاولت تجسير الثغرات وسدها ما بين المشهد الثقافي داخل وطننا المحتل/ فلسطين، وفي المنافي، على الرغم من أن الحال واحدة تقريباً، في الداخل معاناة، وفي المنفى معاناة، وفي الداخل أحلام، وفي المنفى أحلام، لكن الوطن ظل، ورغم كل الكواره، واحداً غير قابل للقسمة؛ كل الذين شرّدوا من الفلسطينيين، ورغم كل حنينهم، وأحلامهم في العودة إلى أرضهم التي لم يجدوا، على كثرة تجوالهم، أعز منها مكاناً ومعنى، وكل الفلسطينيين الذين عاشوا ويلات السجون الإسرائيلية ولعناتها الولود، ظلوا فلسطينيين في ذواكرهم، وحنينهم، وأحلامهم أيضاً، وكأن غيابهم، في المنافي والسجون،  كان تتمة لأفعالهم الوطنية وحسب.

أقول هذا، وبين يدي كتاب ثقيل في مادته وجوهره ومراميه،  للشاعر الفلسطيني محمود علي السعيد المهجر من الجليل الغربي/ قرية ترشيحا، الذي عاش سنوات منفاه الطويل في سورية (مدينة حلب) في مخيم النيرب، في بركس أرضي، صار بيتا، هو من مخلفات الاحتلال الفرنسي لسورية 1920، عنوان الكتاب /قصيدة الفن التشكيلي/، وهو، في مادته، ليس شعراً، ولا نقداً، ولا سيرة ذاتية للفنانين الفلسطينيين والعرب الذين احتفى بهم هذا الكتاب، وإنما هو رؤيا شعرية للوحات هؤلاء الفنانين، وتجاربهم الفنية التي لاقت ترحيباً عربياً وعالمياً، وحظيت بأمكنة جميلة في دور الفن العالمية، وفي المتاحف المشهورة، والبيوت التي تمكنت من اقتنائها، فالكتاب كتابة شعرية، أقلامها الألوان، وحبرها مساحات الفن التشكيلي، بما في ذلك لوحات النحت المدهشة، أما رؤاها فهي تشكيلات قوس قزح التي تربط الشمس بالأرض، وما هو علوي بما هو سفلي، لتتبادل الغيوم طقوس المشي، والعطاء، والبناء، والنداوة مع الناس الذين يبنون الحياة، ويتمسكون بالأحلام التي غدت هوية للسلوك، ودقات القلوب، والكتاب أيضاً، هو نزهة شعرية في عالم التكوين والتشكيل، وتدافع الألوان وتعاونها واختلاطها كيما يصير المحلوم واقعاً، والنائي دانياً، ودهشة الخوف مؤانسة، والبيوت الريفية عوالم للسحر والخرافة، وقطع الحجارة والأخشاب والرخام والبرونز رهافات تلمس عليها الأيدي بالأشواق كلها، وتصير الألوان قرى للبراري مرة، وقرى للخيال والمجاز مرة أخرى؛ كتاب (قصيدة الفن التشكيلي) أشعار أخرى يكتبها محمود علي السعيد بذائقته الفنية، ورؤاه المديدة، وتشوفاته التي ما انفكت عن تجسير الحال الواحدة ما بين فنان فلسطيني يرسم داخل الوطن مثل نبيل عناني أو كامل المغني، وبين فنان فلسطيني يرسم في المنفى في مخيم النيرب في مدينة حلب مثل محمد أبو صلاح، أو مصطفى الحلاج الذي أدمت قدميه دروب الغربة والتنقل وهو يدور مثل الفراش حول قنديل عمره  المنير/ فلسطين، إنها كتابة بعيون الشعر الرائية لكل مستبطن داخل اللوحة التشكيلية، لبيان ما أضمرته، وما قبضت عليه باليدين، وما عانقته بالذراعين، وما مشت إليه بالقدمين، وما دقت له القلوب كأجراس عرفت أفعالها ومواقيتها أيضاً، وهي كتابة  تحمل رسالة جوهرية، فذة حين تتألق وتعلو، فحواها أن الآداب والفنون تتراسل فيما بينها مثلما تتراسل النباتات وندى الصباحات الحميمة بالنور والنشور، فما من لوحة تشكيلية باذخة إلا وفيها اجتماع لخيوط السرد، ومجازات الشعر، ودهشة الحكاية، وأساطير البراري التي تؤاخي الأرواح وتسوقها إلى الينابيع لترتوي من أجل إدامة الحياة، وصور الجمال، وما من قصيدة عالية في إبداعها ومكانتها، إلا وفيها مشاهد الكتل التي مازت المنحوتات بجمالها، وتراصف  الألوان وتداخلها لتصير اللوحة أغنى من الشواطئ والبساتين وتحويمات الطيور، لأن الشعر الحقيقي هو الكلام المضيء وحسب.

   محمود علي السعيد، شاعر ولد في ترشيحا، قبل النكبة بست سنوات، عاش في القرية، ولعب في ساحاتها، واستظل بعرائش دواليها، وعرف سهراتها الصاخبة فوق مصاطبها، وركض، والطفولة ركض وجولان وخيال، في حاراتها، وتسلق أشجارها، وشرب من ينابيعها، وابتنى عرائش القش فوق بيادرها، وذاق حلاوة أصابع (الكعيكبان) في دكاكينها مبادلة، ما بين بيضة وإصبع (كعيكبان) واحدة، ستقسم ما بين طفلين أو أكثر، وسيذوقها فم أو أكثر.. كل هذا أخذ بأنفاس الذات الراوية لتقول الشعر وتكتبه في دواوين أطبقت على الألم الفلسطيني الصارخ حفظا للذاكرة، وعلى الفقد الفلسطيني، والغياب الثمين للأجداد، وشدّت الأحلام إلى القوافي السارات، وها هو يوظف طقوس الشعر  ليكتب عن لوحات إسماعيل شموط، وتمام الأكحل، ونبيل عناني، وسليمان منصور، وعبد عابدي، وكمال المغني، وسمير سلامة، داخل الوطن الفلسطيني المحتل، وعن مصطفى الحلاج، ومحمد أبو صلاح، وعبد المعطي أبو زيد، ومحمود الخليلي، وإبراهيم هزيمة، وغازي انعيم، وغسان كنفاني، وكمال بلاطة في المنفى،  هذه الكتابة عن الفن التشكيلي الفلسطيني هي أكثر من عناق حميم حارق لكل المسافات، وأكثر من حضور فني للألوان على قماشة، أضاءها الكلام، فصار اسمها القصيدة اللونية بحق، وقارئ الكتاب يشعر أنّ محمود علي السعيد يكتب قصيدة روحها روح الفن التشكيلي لأن أدواتها هي الخطوط والألوان، والمساحات، والكتل الفنية، والقرب والبعد والطي والاندغام والتماهي في التجاور، والحضور القوي للعتمة والضوء معا، وشغب الرموز والدلالات وصخبها، وما أراد التعبير قوله أو تظهيره، والجدارة هنا، بادية في أن الشاعر محمود علي السعيد لم يتكئ على السير الذاتية للفنانين، ولا على ثقافاتهم وعديد معارضهم التي أقاموها، ، ولا على حواراتهم وأقوالهم الشارحة لتجاربهم ولوحاتهم، ولم يستند إلى أسباب شهرتهم، من أوسمة وجوائز، وإنما كتب بعينه الرائية أسطره اللونية التي كشفت عن جمال لوحاتهم ومنحوتاتهم من جهة، وعن أعماق روحه التائقة حباً للون والتشكيل في اللوحة الفنية من جهة أخرى، وعن مكنونات اللوحة الفلسطينية المحتشدة بالألم والأمل والجمال، وهو أيضاً لم يتوقف عند مرحلة زمنية واسمة للفن التشكيلي الفلسطيني أو للفنانين الذين كتب عنهم، ولم يتلبث عند توجه فني امتازوا به وانحازوا إليه، بل وقف وقفة القصيدة الوازنة أمام ما يشعلها ويطير بها، وهي ترى سحر الألوان، وتعي أدوار اللوحة، وتنحني لشواغلها، وما ترمي إليه من تطلعات، لتصير سطوراً شعرية تكتبها المحبة الضافية، والثقافة النقدية، والأشواق العطشى للجمال.

   في هذا الكتاب (قصيدة الفن التشكيلي) يقف القارئ عند المناددة العالية ما بين جمالين، وسحرين وخرافتين، هما الشعر المحمول على كف المجاز والتكوين اللوني الممسوس بالنورانية التي لا توفرها إلا الأقمار، وقد دنت من علوة السماء.. لتقرأ كتاب القرى في اجتماعها الألوف المئناس، والأشجار في وقوفها المذهل، والينابيع وأسرارها التي تبوح بها عيدان القصب للريح، وحذر الطيور التي تبني أعشاشها بهدوء غامر في سقوف البيوت، وما يتمتم به عاشقان هبطت بهما الأشواق حطا قرب سياج للتوت البري.. لا يؤنسه شيء سوى العزلة.

 ( قصيدة الفن التشكيلي)، كتاب يفكك بنية اللوحة التشكيلية، ليبدي أسرارها الذهبية، ويكشف عن حذق الفنانين وثقافاتهم، وما حازوه من خبرات فاضلت ما بين تجربة وأخرى، وما أرادوه من تعبير عن الحياة والتاريخ والأحلام..والأفعال الهميمة.