عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2025

العالم يعترف بدولة فلسطين .. أمل ومعضلات

باسم برهوم

من دون شك ان الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية أمر في غاية الاهمية، خصوصا إذا جاء من دول بحجم فرنسا وبريطانيا، الأكثر خبرة بمنطقة الشرق الأوسط وتاريخه، ولكن هذا الاعتراف مع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة واستمرار تهويد الضفة والقدس الشرقية بشكل مكثف، قد يفقد الاعترافات أهميتها، فما فائدة الاعتراف في وقت تعمل فيه الحكومة الإسرائيلية، الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل على تقويض الدولة الفلسطينية على أرض الواقع، والخوف من ان نصل إلى لحظة تصبح فيها فلسطين عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة، ولا يكون هناك دولة في الواقع؟

لذلك هناك ضرورة أن يتزامن الاعتراف بجهد دولي قوي من أجل وقف الحرب في غزة والتهويد في الضفة والقدس الشرقية ومنع تفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تحاصرها الحكومة الإسرائيلية ماليا وسياسيا وإعلاميا، فالاعتراف على الورق مهم إلا ان المحك هو ما يجري على الأرض.

هناك سباق جدي  مع الزمن بين اتجاهين، الأول  إيجابي يدعم حل الدولتين ويحاول تأمين حماية له عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واتجاه آخر سلبي يقوم بتدمير وتقويض حل الدولتين بالقول والفعل، فالتصريحات الصادرة عن حكومة المتطرفين الصهاينة، وبالتحديد الثلاثي نتنياهو وسموتريش وبن غفير جميعها تصر على منع  وجود دولة فلسطينية بأي شكل من الاشكال.

وتمكن مشاهدة التطبيق العملي لهذه التصريحات عبر الاصرار على المضي بحرب إلإبادة الجماعية، والتدمير المنهحي الشامل لكل أشكال الحياة في قطاع غزة، وتهيئة الظروف هناك لتهجير المواطنين قسرا وطوعا عبر التجويع وتدمير البنى التحتية من مستشفيات ومدارس وجامعات، وشبكات مياه وكهرباء، وتشريد المواطنين من اماكن إقامتهم وحصرهم في بقعة جغرافية صغيرة في ظروف قاسية جدا ومأساوية.

وبموزاة ذلك تهيئ إسرائيل نفسها لضم الضفة بالكامل أو احزاء واسعة منها، وحجز ما يتبقى من المواطنين الفلسطينيين في معازل فصل عنصري تشبه تلك التي كانت في جنوب أفريقيا إبان حكم الفصل العنصري.  ويمكن لأي مراقب يتابع الأوضاع في الضفة ملاحظة ما تقوم إسرائيل من تقطيع اوصالها، فهناك اليوم اكثر من ألف بوابة تفصل بين القرى والمدن، وبين بعض القرى، وهناك مئات الحواجز العسكرية التي بإمكان جيش الاحتلال الإسرائيلي اغلاقها تماما في وجه حركة المواطنين والبصائع.

أما بخصوص الكيان السياسي الفلسطيني المعترف به دوليا، والمتمثل بالسلطة الوطنية الفلسطينية، فلم تكتفِ الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بالقول علنا بأنها ستقوم بتفكيك السلطة، نواة الدولة الفلسطينية، وإنما تقوم بخنقها ماليا عبر حجز أموال المقاصة، أموال الضرائب الفلسطينية، وتقويض سيادة هذه السلطة على أرضها، ارض الدولة الفلسطينية، ومحاصرتها سياسيا وتنظيم حملات اعلامية للتشكيك بها وبقدراتها على التطور، فهم يعملون من جهة على إضعاف السلطة الوطنية وتفكيكها، والتشكيك بقدرتها على السيطرة  من جهة ثانية.

هذا المدخل ليس المقصود منه التقليل من أهمية الاعترافات الدولية، بل العكس من ذلك، فمن شأن هذه الاعترافات حماية حل الدولتين وابقائه على قيد الحياة، والضغط على إسرائيل والادارة الأميركية من أجل وقف الحرب، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي في الضفة وغزة، والمتعلقة بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها، أو مشروع الضم وتهويد القدس الشرقية.

وهناك إدراك ان الاعترافات تحافظ على الحق الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وهي في نهاية الأمر شكل من أشكال تجسيد الدولة الفلسطينية، خصوصا إذا بادر المجتمع الإسرائيلي إلى تغيير حكومته المتطرفة، ويأتي بحكومة أكثر احتراما للقانون الدولي، وأكثر اعترافا بالأمر الواقع، حيث يعيش الشعب الفلسطيني على أرض وطنه ويصمد عليها رغم قسوة الظروف.

هناك حاجة لهذه الاعترافات في هذه المرحلة، خصوصا من فرنسا التي تقود مع  المملكة العربية السعودية حملة لحماية حل الدولتين، ومن بريطانيا ومجموعة الدول الأوروبية الاخر. فهذه الاعترافات ستفرض واقعا لا تستطيع الإدارة الأميركية تجاهله إلى ما لا نهاية. فأربع من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن تعترف اليوم بالدولة الفلسطينية، وتبقى الولايات المتحدة وحدها، هذا الواقع يشبه إلى حد كبير اللحظة التاريخية التي مهدت لسقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تقل عنصرية، بل انها تقوم علاوة على ذلك بجرائم حرب وإبادة جماعية للأطفال والنساء في قطاع غزة.

والأهم من ذلك فإن الاعترافات تعطي الأمل للشعب الفلسطيني الذي اوشك ان يفقد الثقة تماما بالمجتمع الدولي وقدرته على وضع حد للظلم الذي طال امده. الشعب الذي دفع ثمن تاريخ ليس تاريخه على امتداد قرن ونصف عندما جاءت الحركة الصهيونية بمشروعها الاستيطاني إلى فلسطين كرد فعل على اضطهاد اليهود في اوروبا.

والاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس مكافأة لحماس كما يقول نتنياهو، انما يهدف للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية المشروعة، ومكافأة لضحايا حرب الإبادة وبسبب التزام القيادة الفلسطينية الشرعية بالقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة والتزامها بالاتفاقيات، وبحل الدولتين. انه ليس مكافأة للعنف انما هو تحقيق السلام العادل والدائم في الشرق الاوسط.