عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2025

بين قمرٍ مكسوف وراتبٍ مخسوف

لما عواد

في الليلة التي غاب فيها نصف القمر خلف ظل الأرض، كان الفلسطينيون يتابعون المشهد السماوي بعيونٍ ملأتها المفارقة. فبينما انشغل الفلكيون بشرح قوانين الخسوف ومواعيد اكتمال النور، كان الموظفون يتلقون رسائل من المصارف تخبرهم بأن رواتبهم لن تصرف كاملة.
 مشهدان متوازيان؛ أحدهما في السماء والآخر على الأرض، لكنهما يتقاطعان عند المعنى ذاته، النقصان وثِقله على الروح.

 

الخسوف الكوني والخسوف الاقتصادي
خسوف القمر حدث كوني طبيعي، رغم كآبته البصرية، يطمئن الناس أنه لن يدوم طويلا وأن النور سيكتمل بعد ساعات قليلة، أما "خسوف الراتب" فليس طبيعيا ولا عابرا؛ هو نتاج تراكمات اقتصادية عميقة، فما زال الاحتلال الإسرائيلي يمسك بمفاتيح اقتطاع الإيرادات، وقرصنة الأموال، فتتأرجح الموازنات العامة بين العجز والاقتراض، وفي النهاية تصبح الرواتب رهينة حسابات لا يتحكم فيها الموظف الذي ينتظرها ليغطي التزاماته الحياتية اليومية.

 

نصف الراتب نصف حياة
اعتاد الفلسطينيون أن يقرأوا الظواهر بعين الصمود؛ فكما أن القمر المخسوف لا يفقد جوهره كقمر، كذلك الراتب الناقص لا ينتقص من كرامة من يتقاضاه، ولا من قدرته على الاحتمال. لكن نصف الراتب يعني نصف حياة، معادلة مرهقة، يضطر الموظف لإعادة ترتيبها في كل شهر، ومع ذلك ينجح في صياغة معادلة جديدة للبقاء، وكأنه يحول النقصان إلى مساحة ابتكار قسرية للحياة، وبها يكتب معادلة جديدة للبقاء.

فلسفة الصمود.. اكتمال مؤجل
ورغم قسوة الخسوفين، يبقى الموظف متشبثا بفلسفة الصمود، فكما يعود القمر ليكتمل بعد نقصان، يؤمن أن الحقوق لا بد أن تستعاد ولو بعد حين. إنها دورة نقص وامتلاء، لكن الفرق أن اكتمال القمر محتوم بحسابات فلكية، بينما اكتمال الحقوق مرهون بالإرادة والعدالة. 
ويظل الموظف حاضرا بوجهه المضيء، ينسج من نصف الراتب حياة كاملة، ويحول من الخسوف مساحة للتأمل وميدانا للإصرار، مؤمنا أن كل نقصان تعقبه دورة اكتمال، وأن فجر الحقوق، مهما طال انتظاره، لا بد أن يشرق.