غزة.. بين مطرقة الاحتلال وسندان سلطة حماس الانقلابية
أحمد الرفاعي

لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق ليدرك أن غزة اليوم تعيش واحدة من أحلك مراحلها منذ عقود. مليونا إنسان وجدوا أنفسهم عالقين بين حرب إسرائيلية مدمرة لا ترحم، وسلطة انقلابية في الداخل جعلت القرار الفلسطيني مرتهنا لأجندات الإخوان وطهران. النتيجة: كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومدن محطمة، ومجتمع يعيش على حافة الانهيار.
رهانات قصوى انتهت إلى العدم
مع بداية الحرب، رفعت حماس شعارات كبرى تتجاوز القطاع: "تحرير شامل لفلسطين" و"معركة الأقصى". كانت تلك مطالب شعبوية صاخبة أكثر منها سياسية أو مبدئية. أما المطالب العملية – كوقف النار أو رفع الحصار – فلم تطرح إلا متأخرة، بعد أشهر من اندلاع الحرب وخطاب محمد الضيف.
هذه المقامرة لم تكن مبنية على حسابات واقعية. فإسرائيل، المدفوعة بأجندة عسكرية وانتقامية، لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات كبرى دفعة واحدة. وحماس، من جهتها، لم تمتلك أوراق قوة حقيقية تفرض بها شروطها، لأنها ليست صاحبة قرار مستقل أصلا، بل جزء من شبكة إقليمية تحدد لها سقف المناورة.
النتيجة جاءت كارثية: عشرات الآلاف من الشهداء، معظمهم من المدنيين، ومئات آلاف الجرحى والمشردين، إضافة إلى دمار شبه كامل للبنية التحتية. والأسوأ أن الحركة عادت لاحقا لتقبل بمقترحات تفاوضية قريبة جدا مما رفضته في البداية، لكن بعد أن صار الثمن مضاعفا. أي منطق سياسي هذا الذي يحول كل تأجيل إلى مقبرة جديدة؟
المدنيون رهائن للمساومات
الأخطر من كل ذلك أن المدنيين تحولوا إلى رهائن. كل قرار بالتأجيل أو المناورة السياسية كان يعني المزيد من الجثث تحت الركام، والمزيد من الأطفال بلا مأوى، والمزيد من الأسر الممزقة. عندما تتحول حياة الأبرياء إلى "أوراق تفاوض"، تسقط أي شرعية أخلاقية تدعيها القيادة. المقاومة الحقيقية تقاس بقدرتها على حماية شعبها، لا بعدد الشهداء الذين تعلق صورهم على الجدران.
صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول الأول عن المذبحة، بآلته العسكرية التي لا تفرق بين مقاتل ومدني، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن حماس – بسلطتها الانقلابية وخياراتها الخاطئة – فاقمت حجم المأساة. قيادة ترفض الحلول في بدايات الحرب ثم تقبلها بعد أن دمرت المدن وفقد عشرات الآلاف من الأرواح تتحمل نصيبها من المسؤولية. إنها أزمة أخلاقية بقدر ما هي سياسية: قيادة عاجزة عن قراءة الواقع، ومرتهنة لغيرها، ومصرة على المكابرة حتى آخر بيت وآخر إنسان.
غزة.. بين المطرقة والسندان
اليوم، يجد سكان غزة أنفسهم بين مطرقة إسرائيل وسندان سلطة انقلابية. الأولى لا ترى في القطاع سوى ساحة تصفية حسابات عسكرية، والثانية لا ترى في المدنيين سوى دروع بشرية ووقودا لمناورات سياسية تخدم خطابا إقليميا لا علاقة له بمصالح أهل غزة. وفي هذه المعادلة القاسية، يغيب صوت الناس العاديين الذين لا يريدون سوى النجاة بكرامتهم.
الحاجة إلى نهج جديد
الوقت ليس في صالح غزة. كل يوم تأخير يعني مزيدا من الدماء والدمار، ومزيدا من الانهيار المجتمعي والاقتصادي. استمرار حماس في نهجها الحالي لن يكتب لها سوى مكان مظلم في الذاكرة التاريخية: كقوة لم تعرف كيف تواجه الاحتلال إلا بقتل شعبها مرتين، مرة بنيران العدو، ومرة بسوء خياراتها.
ما تحتاجه غزة اليوم ليس شعارات ولا مقامرات، بل الى تسليم غزة الى منظمة التحرير الفلسطينية وخروج حماس من المشهد، لتتمكن المنظمة من خلق حلول واقعية توقف نزيف الدم، وتفتح الباب أمام مستقبل مختلف. فالتاريخ لن يرحم من تاجر بدماء الأبرياء، ولا من ترك مدنا بأكملها تتحول إلى رماد من أجل وهم سياسي لم يتحقق.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية