نجيب محفوظ
تغريدة الصباح - حسن حميد

ما من عاقل مهموم بالثقافة والآداب والفنون، يستطيع إنكار دور مصر الثقافي، (والفنون ثقافة) في البلاد العربية، فهي ومنذ عتبات استقلالها شكلت الزاد المعرفي الحقيقي لكل المثقفين العرب، وقد حمل هذا الزاد المعرفي بالطائرات إلى البلاد العربية، سواء أكانت هذه المعرفة منشورة في كتاب أم في مجلة، وسواء أكانت هذه المعرفة موجهة للأطفال والفتيان أم هي موجهة للكبار، وقد حظيت المعرفة المصرية المؤلفة والمبدعة باهتمام أعمدة من الكتاب والمبدعين، كانوا على درجة مهولة من النشاط والعطاء والإبداع، مثلما حظيت بعقول علمية استطاعت شق الدروب الصعبة إلى مختلف العلوم والمعارف الجديدة، ففتحت النوافذ لكل معرفة نافعة، مؤلفة أو مبدعة، أو مترجمة، وكان الأهم هو أن ما أحبه المصري لنفسه، أحبه أيضا لأبناء البلاد العربية، فوصلت المطبوعات المصرية إلى البلاد العربية، من كتاب ألف ليلة وليلة، والفتوحات المكية، إلى مجلات مثل سمير ، والكواكب، وصحف مثل الأهرام والجمهورية والأخبار إلى كل أنحاء البلاد العربية، وبذلك أصبحت مصر جهة للمعرفة الحقة، والثقافة العالية، والإبداع الأصيل منذ السنوات الأولى للقرن العشرين الفارط.
قلت هذا.. لأننا في ذكرى رحيل الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ (1911 - 2006) الذي عاش حوالي 95 سنة، وكتب أكثر من 50 رواية، ومجموعة قصصية، ومسرحية، وكتابا مترجما، فالرجل هو أحد أعمدة المعرفة المصرية والعربية بحق، وصاحب مدرسة عالمية في كتابة السرد، وأنه ما من مدونة سردية عربية، توازي مدونته في الأهمية والحضور والمكانة والترجمة إلى اللغات، ومن خلال مؤلفاته التي تعاونت دور نشر مصرية وعربية على طباعتها ونشرها، وقد تعلم منها أدباء عرب كثرة أساليب الكتابة الروائية والقصصية، ولا سيما تقنياتها، وما تطمح إليه.
حين ذهبت إلى القاهرة، وبعد شوق طويل في صبره وعافيته، سألت عن نجيب محفوظ، قبل أن أسأل عن الأهرامات، والأمكنة التي أبدعت السينما المصرية في الحديث عنها في أفلامها الخالدة، وسعيت إلى زيارته في مجلسه العام الذي يضم أدباء وفنانين مصريين، وكان الجميع من أجيال مختلفة، يكتبون الرواية، والقصة القصيرة، والشعر، والسيناريو، وأصحاب حضور فني مهم في السينما والمسرح والموسيقى والغناء، وكان الجميع يحبونه، ويدينون له بالفضل، فهو قرية معرفية، وليس شخصا، وهو قرية إبداعية وليس صاحب كتاب، وهو قرية سحرية سكانها الأسرار، والأخبار، والأحلام.
حين وصلت إلى مجلسه، هتفت لروحي: يا إلهي، أي دائرة من الهيبة والمهارة.. هذه التي تلف مجلس نجيب محفوظ، وأي مقهى هذا الذي يتسع للأسئلة، والحوارات، والمصريين، والضيوف، والمصورين، وأي طاولات هذه التي قد تحمل أكواب الشاي والقهوة والكركديه وكاسات الماء، وأي أصوات متداخلة تحوم في المكان مثل الطيور، وأي حشد من المتطوعين يجلسون خلف الأستاذ نجيب محفوظ، وحوله من أجل إعادة الأسئلة، والمعلومات، وما يقوله، وأي ضحك هذا الذي ينهمر بين لحظة وأخرى، وأي لطف، وإصغاء، وابتسام للوجوه الرضية المحيطة به، وأي صبر جليل للضيوف، وهم كثرة، كيما يسألوا الأستاذ، أو يحظى الواحد منهم بصورة معه.
طبعا كنت بحاجة إلى معاودة المحاولة مرة ومرات كي أكون قريبا من الأستاذ لأبادله الحديث والأسئلة والأجوبة والحوار، وكان من أحلامي أن أنفرد به، لتصير أسئلتي وأجوبته حوارا منشورا للناس في الصحف أو المجلات، لكن الظروف حالت دون ذلك، مع أن أدباء لهم أوزانهم النوعية حاولوا جاهدين كي يوفروا لي الفرصة لأتمكن من محاورته، لكن برنامجه وارتباطاته بالمواعيد المسبقة، وصحته، وانفراده بأصدقائه الذين يقرؤون له أخبار الصحف والمجلات، والاصدارات الأدبية، والجوائز العربية والعالمية، والكتاب العرب والأجانب.. كلها حالت دون أن ألتقيه منفردا لوقت محدود مخصص للأسئلة والأجوبة.
لكن حين التقيته لوقت قصير (وقت برقي)، سألني إن كنت أعيش في مصر، فقلت: لا، وهل أنا من غزة، فقلت: لا، وهل أدرس في الجامعات المصرية، فقلت: لا، ولم يسألني إن قرأت له إلا عندما أخبرته أنني ضيف من ضيوف مؤتمر الرواية العربية لأنني أكتب الرواية، قال ممازحا: وهل لنجيب محفوظ حصة في قراءات هذا المؤتمر؟ قلت: نعم، قال: وعن أي رواياتي يتحدثون؟ قلت: عنها جميعا تقريبا، قال ضاحكا: وأنت ماذا تحب من رواياتي؟ قلت: الكرنك! قال: لماذا؟ قلت لسطرها الذهبي الذي يتحدث عن عودة المصري من قطاع غزة، وحديثه عن أهل غزة، أهل العناد الوطني، فهز رأسه، وأخذ نظارته الطبية بين أصابع يديه، وراح يمسح زجاجها بمنديل ورقي، فرأيت دمعا يجول في عينيه، وهمّ أن يقول شيئا عن غزة، وأهلها، وعن فلسطين وأهلها، لكن خلقا من محبيه اقتحموا المجلس، وهم يقولون كلاما متداخلا ضاجا، عبروا من خلاله عن فرحهم برؤيته، قلت ذلك للروائي العالمي نجيب محفوظ، عن سطره الذهبي الفلسطيني في رواية الكرنك، لأسأله لماذا لم يكتب رواية خاصة بالمأساة الفلسطينية، لكن حظي كان قليلا، وسؤالي لم ير النور، لأنني كلما عدت إلى مجلسه، (وقد عدت إليه أربع خمس مرات) وجدت خلقا كثيرين يحيطون به، نعم كان نجيب محفوظ أكثر من كاتب ومثقف ومبدع، وأكثر من قرية معرفية، وأكثر من أشواق إبداعية، وأكثر من معلم، إنه دنيا من السحر الجمالي البهار الذي لف الإبداع العربي، فلفت انتباه أهل الإبداع في العالم!
----------------
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية