إسرائيل على طريق الشيخوخة
رمزي عودة

ليس من المفترض أن ننظر الى شراسة إسرائيل وتوغلها في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنه علامة قوة وجبروت، فهذا بالضبط ما تحاول دولة الاحتلال إظهاره للشعب الفلسطيني والدول العربية والعالم أجمع بأنها دولة قوية، لا ولن تقهر، وأنها ماضية نحو السيطرة والتوسع وتصفية القضية الفلسطينية. إنها تسعى في نفس الوقت الى ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، والتنكيل بالشعب الفلسطيني، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، وبهذه السياسات التنكيلية تعتقد إسرائيل بأنها ترهب أعداءها من الداخل والخارج، وهو الأمر الذي يمنع من احتضارها وسقوطها كدولة غير طبيعية في المنطقة.
قبل السابع من أكتوبر 2023، وفي اجتماع الحركة الصهيونية في بازل قررت الحركة أن تبحث عن دور جديد لإسرائيل في العالم أجمع، دور اقتصادي مهيمن في نظام رأسمالي تكنولوجي يتسع بشكل كبير، ولا يسمح للدول الصغيرة أن تهيمن فيه.
في الواقع، إن ما دفع الحركة الصهيونية في التفكير بهذا الدور هو اعتقادها الراسخ أنها لا تستطيع أن تستمر في منطقة الشرق الأوسط بالشكل التقليدي الذي نشأت فيه، فالشرق الأوسط ليس بيئة طبيعية لدولة الاحتلال برغم اتفاقات أبراهام، كما أن الانقسام الداخلي في المجتمع الاسرائيلي بين عدة طبقات وفئات دينية وعرقية وأيديلوجية يجعل من إمكانية نمو وتطور هذه الدولة أمرا صعبا بل ومستحيلا في الكثير من الحالات التي تتعلق بالحريات والمساواة والمشاركة في ظل سيادة مفاهيم عنصرية ودينية لدى الطبقة السياسية في إسرائيل.
من جانب آخر، فإن هذه الطبقة تدرك أن دعم وتحالف الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة لن يكون أبديا، تماما عندما تخلت هذه الدول عن حليفها الاستراتيجي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
من هنا، قررت الحركة الصهيونية البحث عن دور اقتصادي عالمي جديد لإسرائيل يجعلها جزءا مهما من هذا النظام بحيث يصعب التخلي عنها لاحقا. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث جاءت الإبادة الجماعية التي قامت بها اسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023 لتعمق من عزلة إسرائيل العالمية، وتشوه سمعتها كما صرح الرئيس ترامب نفسه، ومن ثم، تخلى الكثير من حلفائها في الغرب عنها تماما كما حدث مع هولندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا وغيرها.
كما أدت هذه الإبادة الى تراجع مؤشرات تأييد الرأي العام الأميركي لإسرائيل ليس فقط على صعيد الحزب الديمقراطي، وانما أيضا على صعيد الحزب الجمهوري وعلى صعيد الشباب والطلبة الجامعيين بشكل لافت. وهذا كله يدفعنا للتوقع بأن تحالف ودعم الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل سيتراجع لا محالة خلال العقدين القادمين وربما أقل من ذلك، لا سيما عندما ينتقل جزء كبير من هؤلاء الطلبة والشباب الى مراكز صنع القرار في مؤسسات الدولة الأميركية العميقة.
في الواقع، الدول تشيخ وتمرض كما هو الإنسان، وربما الاختلاف الأساسي بين الدولة والانسان وفقا لهذه الصيغة هي ان الدول عندما تشيخ تتغول في حروبها وصراعاتها الداخلية والخارجية بحيث تسيطر فكرة لدى قادتها بأن عليهم استخدام القوة المفرطة في كل شيء حتى لا تسقط دولهم، وهذا بالضبط ما حدث في الحالة التركية في حرب القرم في العام 1857 وفيما بعدها.
وفي هذه الحالة، تتخلى الدولة عن الأخلاق والقيم لتبرير سياساتها حتى لو كانت مجرد بروبوجندا، وتستعيض عنها بسياسات القوة والغطرسة أملا منها أن تغير وضعها في النظام الاقليمي والدولي لتحقيق مكاسب الاستقرار والنمو. ولكنها في الواقع تزيد من خساراتها وتتخلى عن روابطها مع العالم الذي سينتظر سقوطها بهدوء ودون أي تكلفة عليها.
وتنطبق هذه الحالة تماما على اسرائيل التي تحاول أن تبدو بمظهر الأقوى والأعنف من أجل إرهاب أعدائها لأنها تدرك تماما أنها بدأت في مخاض السقوط. ولكنها حتما ستسقط عندما يتخلى جميع حلفائها عنها، الذين سيكتشفون أنها أصبحت عبئا عليهم وليست قيمة مضافة اليهم.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية