عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آب 2025

فن الرجل الصغير!

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

قبل سنوات طوال، صارت الآن  بعيدة، قرأت مذكرات تولستوي، ومذكرات غوته فملأت روحي بمعارف وأفكار وآراء منحتني وعيا مضافاً ما زلت أعتز به، وسأبقى؛ ومن جملة ما قالاه.. إننا إذا أردنا معرفة مجتمع على حقيقته علينا أن نذهب الى المحذوف والمتواري اللذين قرا في حياة الناس حتى صارا سلوكاً، قولهما هذا كان جوابا لسؤال  وجه إليهما: لماذا درسا الآداب الشرقية، ومنها العربية بالطبع .

الآن ، أتذكر قولهما، وقد قيضت لي الأحوال والمحبة أن أكون واحداً من بين نفر من الأدباء المحكمين لجائزة عربية أدبية في فن القصة القصيرة، هذا الفن الذي عرفنا بجمال الأدب، والحياة، وجمال الحذق الذي اختص به العارفون بصياغة الذهب، وهذا الفن الذي يبنى من التفاصيل المدن الزاهيات، ويرفع القناطر والجسور المذهلات، ويستبطن ما في النفوس من مضمرات.

المشاركة في أعمال هذه الجائزة، وهي واسعة، فتحت عينيّ على أمور كثيرة، بعضها مذهل، وبعضها الآخر مدهش، وبعضها الثالث استطاع أن يقول حقائق جديدة عن عالمنا الذي نعيش فيه، فالمجموعات القصصية التي شارك أصحابها في أعمال الجائزة عمّت الجغرافية العربية كلها تقريباً، والاستثناءات قليلة، ومهمومية الكتّاب ما كانت مشدودة إلى الربح والظفر بالسباق فقط، قدر ما كانت مهمومة بالحديث عن الحياة، على مختلف وجوهها، في بلدانهم، وبعض هذا الحديث أشبه بالهدايا، وبعضه أشبه بالأسرار، أقول هذا لأن القصص أفصحت، ومن دون مواربة، بأننا نجهل ما هو  موجود في واقع الحياة العربية فعلاً، ونجهل عقابيل المشكلات التي تعتور بعض المجتمعات وتعشش فيها، كما نجهل جماليات العادات والتقاليد والأعراف والتصورات التي يماشي الناس أنساقها، ونحن لا نعلم، ولا نعرف إلا بعضها، لانها معرفة ناقصة، وخجول، وفيها الكثير من الثغرات، لذلك يلفها الكثير من اللوم والعتب .. لأننا اكتفينا بالصورة النمطية عن هذا المجتمع العربي أو ذاك، أو بالتوصيف العام، الذي غدا نمطاً، عن سمات الشخصية العربية في هذا البلد العربي أو ذاك، فقرّت ثقافتنا، أو نظرتنا على أن حال هذا المجتمع العربي هي كذا، وأنّ حال ذاك المجتمع العربي هي كذا. والحق أنّ ما قرّ في أذهاننا وشكّل وعينا يحتاج إلى إعادة نظر، وتجديد في  المعلومات، والقبول الطوعي بالمضايفات المدهشة التي لا بد منها لأنها قادرة على تغيير سياقات اجتماعية وثقافية كثيرة، تبعدها عن صيغ الأخبار، وتقارير الإعلام، والكتابات السياحية، وتبدي حقيقتها وهي بادية في أحيازها الاجتماعية والثقافية، من دون تزويق أو رتوش.

أجل لكأن الأدب والفن هما حارسا الحياة من جهة، وحارسا المصداقية من جهة أخرى، وأنّ الوعي الحقيقي الذي يماشي المعادلة الذهبية لكل صنيع، أعني الحق والخير والجمال، يعيش، أعني الوعي، ويزدهر في الأدب والفن، لأن الحرية في فضاءاتهما هي جوهر العيش وهدفه، وهي سبب السعادة ومجتباها.

كل مجموعة قصصية من المجموعات المشاركة في هذه الجائزة، كانت عالماً مختلفاً عن المجموعة الأخرى، وفي كل شيء، في الموضوع، وهذا طبيعي جداً، وفي التقنيات، وهذا مهم جداً، وفي الرؤيا، لأن المحلوم به كامن هناك، وفي الجدة، وفي ما يدهش، لأنّ القصة القصيرة إذا فقدت  الجدة والدهشة، صارت مماشاة باهتة لأسطرها، لكن الأهم والأوفى هو أن هذه النصوص تريثت وتلبثت طويلاً عند ما همشته الحياة، وما تخطته الرقاب، وما حيدته الأخبار وقفزت عنه، لذلك كتبت  شواغل الناس، وعبّهم لهواء رغبوا به، وأفياء أنسوا إليها، وأشواق شووها على موقدة الانتظار، وإن كانت جمراً، وأحلام ساهروها بالتمتمات والرجاءات والأدعية.

نعم، في هذه القصص تجول الحياة امامنا لنرى تعب الناس وحرمانهم، ونقف عند  أفراحهم ورغائبهم، كيما نتيقن من خلود رؤى الأجداد التي آخت الأزمنة في ثبوتها، وخلاصات تجاربها، وصفوة ما حفظته المدونات، وسلوكيات البشر حتى صار اجتماعها بين أيدينا خصوصية مائزة للعادات والتقاليد الواسمة لكل مجتمع على حدة.

وقد لاحظت ، وأنا أقرأ القصص، ما تلعبه الجغرافية المكانية من تأثير في حياة الناس وطباعهم، أيا كانت الجغرافية.. بحرية أو نهرية، أو صحراوية، وما تلعبه  الحال الاقتصادية من أدوار المغايرة، كيما يصير لاختلاط الناس وتفاعلهم معنى حضارياً جاذبا؛ وكذلك هي الحال الاجتماعية التي توصف عادة بأنها هي كينونة الأدب وجوهر الفن، لأن في مستبطنها واقع الناس وأحلامهم.

 صحيح أنّ كتب السوسيولوجيا، والتاريخ، والفكر، والسياحة، والاقتصاد، والسياسة تقدّم معارف مهمة ومتنوعة عن المجتمعات العربية، ولكنها تظل معارف عامة ظاهرة، أما المعارف المتوارية، والمحيدة، والمقصية، وهي على غاية من الأهمية، فإن الآداب تتكفل بتظهيرها لأنها تتحدث بصدق عن حال المجتمعات العربية، وحراك الناس، والتفاصيل التي زلتها عين الرقيب.

 ترى ألهذا صرخ لينين (1870-1924) بأنه عرف تاريخ فرنسا من كتابات بلزاك(1799-1850)، وليس من كتب التاريخ الفرنسي، وألهذا يقرأ الناس اليوم الأساطير ليعرفوا حقيقة (الفطرة البشرية)، وطباع النفس البشرية وامزجتها وتقلباتها ونوازعها حتى لو كانت ممتلئة بالشر! وألهذا كان كتاب (كليلة ودمنة) الكتاب الأقرب إلى أيدي أهل النفوذ، مع أنه كتاب قصص تتحدث بها ألسنة الحيوانات؟ ربما.

أجل، سرني الوقت الذي أمضيته متنقلاً بين قصص الكتاب العرب، وهي جديدة وطازجة،  لأنها أخذتني إلى عوالم كنت أجهلها، فكشفت لي عنها، مثلما أخذتني إلى تقنيات ساحرة  عرفت جذورها في الأساطير، وأغاني الصيادين، والحصادين، وهي تتفوق في صيغها وتنوف على المجاز، وقد سرني أيضاً هذا الاهتمام الجليل بفن القصة القصيرة الذي دحمه فن الرواية راهناً، بعدما دحمه فن الشعر ماضياً، وما يخشاه مستقبلاً من حضور فن السيرة، وسرني أكثر أن أجيالاً متفاوتة في تجاربها وأعمارها، ما زالت عاشقة لفن الرجل الصغير القادر على اجتذاب اهتماماتها وانتباهاتها، كيما يكتبوا تفاصيل الحياة الجارحة بتعملها.. وعذوبتها!

[email protected]