عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 آب 2025

محاكم التفتيش السوشيالية

سؤال عالماشي - موفق مطر

ما بين حرية الرأي والتعبير المضمونة في القانون، والعبثية العدمية العاكسة لغريزة عدائية، احتلت واستوطنت التعقل وتحكمت بمسار السلوك الشخصي تتموضع الفكرة النبيلة كخيط ذهبي رفيع لين ومتين، لا يحق لأحد قطعه، ومن يفعل فقد ارتكب جريمة تخريب الأمن العام والسلم الأهلي والمجتمعي، والتشويه المقصود لصور العمل الوطني عن سابق تصميم وترصد، ولا تشفع مقولات مثل: "كنت أقصد كذا، ولا أقصد كذا"، ففعل الجريمة قد وقع، ومسؤولية سلطة القانون تطبيق الجزاء المشروع المعلوم للعموم.

فمجتمعاتنا بشرائحها الثقافية والسياسية ليست فريسة حتى يسارع المتجردون عمدا من نعمة التبصر لنهشها وهي على قيد الحياة، كما تفعل مفترسات في البرية كالضباع والتماسيح، الرافضون دائما فكرة تقبل الآخر، المشبعون بمفاهيم، رسخت الذم والقدح والتشكيك والتخوين والتكفير والتنمر والإساءة للآخر في قاموس تعاليمهم المتعارضة مع منطق الحياة والفكر الانساني، وجوهر البناء المجتمعي والوطني!

إن المرء الذي لا يكلف نفسه البحث عن المعرفة وإدراك الحقائق والوقائع لتأسيس قاعدة لموقف، أو رأي، أو فكرة، أو موضوع، ويفضل البقاء أسيراً مطوقا برغبات شخصيته المريضة بالأنا الجاهلة والجاهلية، أو المصابة بداء الكراهية، وناطقا باسم جماعته أو مجموعته الفئوية المنغلقة أصلا على ذاتها، أو تلك التي انقضى زمانها ولا تريد تصديق واقع اندثارها، وينشغل بتعميم اليأس والاحباط، محولا صور الخير الى شر مطلق، والحق يزيفه ويروجه على أنه باطل، أما الجمال فيقذف بالقبح والبشاعة، حتى يتخيل للناس في الدائرة المستهدفة أن الموت هو القاعدة، وأن الحياة استثناء.

يستوطن هؤلاء في مستنقعات (رديئة) تساعدهم على التكاثر، وتحشيد ذباب الكتروني كما يسمى اليوم! ويسممون أجواء وسائل التواصل الاجتماعي وصفحاتها ومنصاتها، التي على عظمة ايجابياتها، تتعرض لاحتلال واستعمار مواز!!

يقصفون العقلانية بالغوغائية والعبثية، والواقعية بالأوهام والغيبيات الخرافية، يكذبون وهم على يقين انهم كذابون أفاكون، حتى بات الكذب مخطوطا لتعاليمهم الشيطانية!

ويمتهنون التزوير والتزييف والتدليس، الى درجة عالية من الدقة الشاهدة على غبائهم وقلة حيلتهم في مواجهة اللحظة الزمانية التي يصنعها العقلاء، ذلك انهم ما زالوا في مكان غارقين في ظلمات نفوسهم الأمارة بالسوء، لا يقوون على الاعتراف ولا الاقرار بحق أو حقيقة مادية ملموسة بالحواس وصدقتها بالمعرفة الأفئدة، ويندم -بعد لحظات- إن انزلق احدهم بسبب نصيحة، فيعود ليتسلق سلم العناد الى خندقه السابق!

 يعيشون بخوف ووسواس حتى الهلع من الاقتناع برأي وفكر وموقف الآخر العقلاني، لذلك يتجنبون الحوار والنقاش والنقد البناء، ويسارعون الى سلاح الاستصغار والتحقير للمدى القصير، ثم التخوين للمدى البعيد! وبذلك ينصبون المحاكم للآخر بلا قضاة ولا نيابة ولا دفاع ولا شهود، أما هدفهم فهو إشعار نبلاء الرأي، والمواقف، أنهم متهمون وملاحقون ومطلوبون "لمحاكم التفتيش السوشيالية" وأن فضاء الحرية الطبيعي والقانوني بات ضيقا لا يتسع للفكرة الانسانية، فيندفعون الى فضاءات رحبة خارج فضاء الوطن.

ويبقى هذا السؤال: ألا توجد نقطة التقاء بين من انكر علينا وجودنا الحضاري على ارض وطننا التاريخي والطبيعي، ويعمل على تهجيرنا بسلاح الابادة، وبين هؤلاء الذين ينكرون صدق نوايا، وإخلاص العقلاء الوطنيين في اعمالهم ومواقفهم وآرائهم وأفكارهم، ونقاء انتمائهم، فخطر هؤلاء على الوجود الانساني لشعبنا ذي الجذور الحضارية مكمل للإبادة الدموية والتهجير من ارض الوطن؟