حراس الصورة والحقيقة
عمار جمهور

نشأت الصحافة في الغرب وكانت بدايتها عبارة عن أوراق تعلق على أبواب الحانات، للإعلان عن قضية ما أو البحث عن مجرم هارب ترغب السلطات بالقبض عليه أو التنويه لموضوع ما، الملصق كان مجرد صورة وبضع كلمات. تطورت الصحافة وأخذت أشكالا ومجالات متعددة إلى أن وصلت إلى إصدار الصحف بتواريخ محددة ثم باتت نسخا يومية. وتطورت مفاهيميا وتقنيا إلى ما وصلت إليه اليوم من منابر إعلامية متعددة كالفضائيات ومنصات للتواصل الاجتماعي.
ولكن، الإشكالية الفكرية العميقة تتمحور حول أن ممارسة العمل الصحفي كانت وما زالت محكومة بعدة معايير كالموضوعية والحياد والمصداقية والوصول إلى الحقيقة، والوصول إلى الحقيقة هو مبتغاها وقمة فلسفتها، الوصول إلى الحقيقة هدف سامٍ يثير الفضول تارة ويلبي الاحتياجات المعرفية تارة أخرى. وتبنى الغرب الاستعماري كما هي العادة كما هائلا من المفاهيم والقيم والأفكار، واعتبر ذاته أنه يسخر هذا الإعلام للتعبير عن هموم الناس وقضاياهم ومشاكلهم واحتياجاتهم، واعتمد بذلك على مفاهيم راج تداولها كحرية الرأي والتعبير والتعددية والديمقراطية، وسن قوانين وتشريعات بتنظيم كافة ادعاءاته، إلا أن واقع الحال أثبت ازدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا المناوئة للهيمنة الغربية المتحكمة بالسياسات الإعلامية للمؤسسات الإعلامية المؤثرة. وهنا تبلور ما يعرف بالنقد الأيدولوجي للإعلام وأن لا يكون مجرد أداة لتحقيق مصالح ورغبات هذه الفئات التي لها أهداف كامنة وخفية خلف زاوية التغطية وخلفيتها. وتطور هذا المنهج النقدي إلى تحليل المصالح السياسية والاقتصادية وكشف دوافعها وأهدافها السياسية والاقتصادية والعنصرية.
وكان من الأهمية بمكان لكل وسيلة إعلام الأحقية في مرافقة جيوشها للتغطية الإعلامية ونقل الصورة كل من زاويته وموقعه، وكان من بدهيات الأمور أن الصحفيين رافقوا القوات الأميركية- البريطانية لإسقاط النظام العراقي السابق تحت حجج واهية ثبت لاحقا زيفها، وعدم مصداقيتها، وكذلك الحال في الحرب على أفغانستان، وتضمن ذلك صراعه الروايات أو السرديات، من خلال الإعلام والإعلام المضاد، ففكرة العالم الحر بأن دول الشمال هي من ينتج المعرفة ويتربع على عرش الحقيقة، وأن تدفق المعلومات يأتي من الشمال المتحضر إلى دول الجنوب المتخلفة أو الرجعية أو ....... إلخ، ولكن هذا الحال لم يدم طويلا فبات العديد من المنصات الإعلامية تنقل المعلومات من الجنوب إلى الشمال لتغير بذلك فلسفة تدفق المعلومات وتحديد منتجها ومروجها. وبدأت الأصوات ترتفع ليتم إيصال أصوات من ليس لهم صوت، وبدا الاحتدام في صراع السرديات، الذي لا يقل ضراوة عن الحرب بكافة أشكالها ومخرجاتها، يتضح أكثر فأكثر.
حاليا، وفي ظل الحرب على قطاع غزة، روجت إسرائيل لجملة من السرديات التي سرعان ما ظهر زيفها وانعدام مصداقيتها، لأسباب تتعلق بالواقع المعاش، فمن النادر أن تمت تغطية حرب إبادة على مرأى ومسمع العالم كله، بصورة حية ومباشرة، فقد كانت الشعوب تسمع عن وقوع إبادة أو تجويع أو قتل إلخ، ثم يبدأ البحث للوصول إلى المعرفة والحقيقة واليقين بشأن ارتكابها من عدمها، أو صدقيتها من زيفها، أما اليوم فالموت يوثق لحظة بلحظة وفور وقوعه وبفضل نخبة من الصحفيين الفلسطينيين من الإعلام الرسمي والإعلام الخاص الذين أتقنوا المهنة وأبدعوا في أدائها كشفت تفاصيل ورويت سرديات موثقة، أجبرت شعوب العالم على مشاهدة ما لم يكن من السهولة مشاهدته، وتم تغيير قناعات وأفكار ومعتقدات سياسية وغيرها، شكلت ضغطا لا يمكن الاستهانة به على الصعيد الشعبي.
واليوم، بدأت حكومات هذه الشعوب بالتأثير إيجابا على صانعي القرار السياسي وفرضت وقائع وحقائق ليس من السهل تفاديها أو عدم الاكتراث لها، كونها حملت شعارات وروايات أظهرت ازدواجية عالية في المعايير، سرعان ما انهارت أمام هذه التدفق الهائل من المعلومات والصور والفيديوهات والقصص الموثقة والمؤكدة، والتي قدم الصحفيون الفلسطينيون أرواحهم فداء لإيصال الحقيقة والرسالة الإعلامية من مصدرها ولحظة حدوثها أولا بأول وشكلوا أنموذجا فريدا أمام العالم كله فاق بتضحياته ما قدمته الصحافة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وفق ما يرى البعض من ذوي الخبرة والشأن.
وكان وما زال للصحفيين الفلسطينيين دور محوري وجوهري في التفوق على كافة القيم الفلسفية للإعلام والصحافة كعلم، وكمبحث أكاديمي وعملي ومهني، فقد ضحوا بأنفسهم في سبيل إيصال الحقيقة الموثقة بالأدلة والبراهين على مرأى ومسمع العالم كله، بما لا يدع مجالا للشك ولو للحظة أنهم جانبوا الصواب أو نقلوا روايات مزيفة أو غير صحيحة. هذا كله إيمانا وإخلاصا لمهنيتهم ومهنتهم، وحملوا روح المسؤولية العالية، تجاه قضايا شعبهم ووطنهم، ولا أعتقد بأنه لا يحق لأي إنسان كان أن لا يؤمن بقضيته وهموم أبناء جلدته، ولم يسعوا لأي مجد أو منفعة أو مصلحة ضيقة، بل حركتهم كل المعايير والمفاهيم والقيم والمعايير الصحفية التي تغنى بها الغرب وساروا على درب الحقيقة وتغطيتها وكشفها للعالم أجمع.
هذا الجيش من الصحفيين والصحفيات يحتاج لأكثر من مجرد صورة أو بوستر أو نعي صادق، ولا بد من تكريمهم بما يليق بتضحياتهم ومعاناتهم واعتبارهم أيقونات فلسطينية، يجب تخليدها عبر سرد تفاصيل حياتهم وما انطوى على ذلك من معاناة وقهر وتمجيدهم إعلاميا وثقافيا وسياسيا في كافة المنابر الدولية والإقليمية.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية