عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 آب 2025

المفهوم وغير المفهوم من أمر إسرائيل

باسم برهوم

لنحاول معا فهم المجتمع الإسرائيلي في وضعه الراهن، هناك حكومة يمينية متطرفة ورئيس حكومة يقول عنه أغلب الإسرائيليين، انه يواصل الحرب في غزة ليهرب من السقوط والمحاسبة، أولا، على التقصير الذي حصل في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وثانيا، على ملفات الفساد التي تلاحقه، وأخيرا على الانقسام العميق الذي تسببت به سياساته هو وحكومته اليمينية المتطرفة، وخاصة محاولات اليمين السيطرة على الجهاز القضائي.

وبما يتعلق بالحرب على قطاع غزة، ومشكلة الرهائن الإسرائيليين لدى حماس، والتظاهرات الحاشدة التي تغلق شوارع تل أبيب، هذا المشهد الذي يوحي بأن المجتمع الإسرائيلي ضاق ذرعا بنتنياهو وحكومته، تناقضه استطلاعات الرأي التي يبقى خلالها حزب الليكود أكبر الأحزاب، ويبقى نتنياهو هو المفضل أكثر من أي شخصية سياسية إسرائيلية اخرى ليتولى رئاسة الحكومة.

كيف يمكن تفسير هذا التناقض، أغلب الجمهور الإسرائيلي ينتقد بل يرفض سياسات نتنياهو وحكومته، وفي نفس الوقت الليكود ونتنياهو في المقدمة في استطلاعات الرأي؟

هناك تفسير يتعلق بالكيفية التي يتصرف بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، فهو صور نفسه كما يصور الزعماء الدكتاتوريون أنفسهم بأنه وحده الحريص على المصالح الإستراتيجية للدولة والشعب، وانه دون غيره من يستطيع الدفاع عنها، ورد أي عدوان على الشعب والدولة.

صحيح ان نتنياهو جاء للحكم عبر انتخابات عامة، لكنه نجح في كل مرة في إقناع الجمهور الإسرائيلي بأنه الأنسب لهم، لذلك فاز مرة تلو الأخرى منذ العام 1996، عندما فاز للمرة الأولى في رئاسة الحكومة. لقد استخدم نتنياهو بشكل غير مسبوف مسألة الخطر الخارجي، فكان خطر نووي إيران وصواريخها الشماعة التي علق عليها كل حملاته السياسية، فكلمة السر لتغذية النزعة اليمينية في المجتمع الإسرائيلي، هو التلويح دائما بأن هناك خطرا وجوديا يتهدد إسرائيل. الجمهور الإسرائيلي، ومن أجل تعبئته وإبقائه مستقيظا لا بد من وجود عدو خارجي، سواء كان هذا العدو حقيقيا أم وهميا من انتاج مطابخ اليمين المتطرف، وفي الغالب لا يوجد عدو بالفعل يهدد إسرائيل، ليس لأن الدولة العبرية قوية بحد ذاتها، إنما لكونها تمثل خطا أحمر دوليا يمنع المس به وجوديا، لاعتبارات إما إستراتيجية، أو باعتبارها الدولة اليهودية الوحيدة في العالم.

المسألة الأكثر عمقا للتحليل، هي ان فكرة إسرائيل ذاتها هي فكرة من إنتاج الاستعمار القديم، الذي لم يكن إمبرياليا وحسب، بل عنصريا حتى النخاع تجاه السكان الأصليين، والشعوب صاحبة الحق الطبيعي في أوطانها.

وبما ان إسرائيل لا تزال صهيونية في جوهرها، فإنها باستمرار وصفة للعنصرية والتطرف، وان اللغة التي يفهمها الجمهور ويغذي بها خياله هي لغة في الأساس كارهة للآخر وفاشية، ومن هنا يستمع الجمهور الإسرائيلي اكثر للغة اليمين الصهيوني المتطرف ولشعاراته المستندة بالأساس لفكرة الخطر الوجودي.

لقد مثل هجوم حماس بالسابع من أكتوبر 2023 هدية ثمينة بالنسبة لليمين الإسرائيلي، ومن خلالها اقنع الاسرائيليين انه يجب ان يغير شكل الشرق الاوسط كي يمنع هذا الخطر، واليوم تقترب حرب نتنياهو من الدخول في عامها الثالث. فالحرب تستمر والدكتاتور يستمر في حكم إسرائيل، ويقدم نفسه ان الرب اختاره للقيام بهذه المهمة المقدسة، وبالتالي ما على الجمهور إلا ان يقبل بصاحب المهمة الربانية.

وإذا وسعنا دائرة التناول، فإن الشعب الفلسطيني يقع الآن بين فكي كماشة، كلا الفكين يقدم نفسه انه رباني، نتنياهو واليمين المتطرف الفك الأشد، وحماس "الربانية" بمثابة الفك الآخر المساعد، وهنا لا بد من التذكير بالشعارات الضخمة، والخطب الرنانة، التي كنا نراها ونسمعها في مهرجانات حماس وسط غزة، وانها تقوم بمهمة ربانية كلفها بها الله.

الشعب الفلسطيني يدفع ثمن مكلفين من الرب، كلاهما يغذيان بعضهما بعضا، نتنياهو وحماس، نحن أمام ظاهرة في إسرائيل قادرة على إنتاج نفسها، لأن الفكرة الصهيونية هي فكرة عنصرية وتوسعية، فالتفسير للمشهد الذي يبدو متناقضا، منبعها المشروع الصهيوني الإستعماري، فهو المكون لفكر الشعب الإسرائيلي.