التاء المربوطة في الميدان.. حين تتحدى المرأة حدود الخوذة والخريطة
لما عواد

في اللغة العربية، تأتي التاء المربوطة غالبا في نهاية الكلمات لتدل على التأنيث لكنها، في هذا المقال، تتجاوز دورها النحوي لتصبح رمزا لموقع تفاوضي بين اللغة والواقع، بين الرمز والحضور الفعلي. عندما تنزل "التاء المربوطة" إلى الميدان، فهي لا تحمل حقيبة أدوات وخوذة وخريطة فحسب، بل مقاومة غير مكتوبة على جدران الواقع وإرثا من التحديات الاجتماعية، وأملا في إعادة رسم خرائط الأدوار المهنية.
الميدان.. جغرافيا الذكورة وإرادة الاختراق
يُنظر إلى الميدان خاصة في التخصصات الهندسية والميكانيكية بوصفه فضاء خشنا، مليئا بالغبار، والآلات، والرجال ذوي الأصوات العالية، ميدان تحكمه قواعد القوة الجسدية والحضور الذكوري، فالمرأة هنا لا تواجه تحديات تقنية بقدر ما تواجه تحديات ذهنية وثقافية، في هذا السياق، تصبح مشاركتها تحديا مزدوجا:
- تحدٍ موضوعي يتصل بظروف العمل القاسية.
- تحدٍ اجتماعي ثقافي يتعلق بالصورة المسبقة عن "المكان المناسب" للمرأة، والتي ترى بعض الميادين "ليس مكانا لفتاة"، وكأن الطموح مرهون بجدران المكتب.
هذا الإدراك المسبق يترجم على الأرض إلى:
- الشك المسبق في الكفاءة والقدرات، قبل بدء أي مهمة.
- الإقصاء غير المعلن عبر تهميش المهام الميدانية المسندة للنساء.
- اختبار الصبر والمثابرة عبر إطالة مسار إثبات الذات، وتتطلب مجابهة مضاعفة مقارنة بنظرائهن من الرجال.
المهن غير النمطية.. مختبرات اجتماعية مصغرة
المهن غير النمطية ليست مجرد اختيار مهني أو موقع عمل خارج المألوف، بل هي ساحة تفاوض مع الثقافة السائدة، واختبار اجتماعي لمرونة القوالب الذهنية، ومنصة لإعادة توزيع الأدوار المهنية. في هذه البيئات، تُقاس قدرة المرأة ليس فقط على إتقان المهارة، بل على إعادة تعريف الأدوار في سياقات لا تزال تُرى فيها بعض المجالات على أنها حكر لفئة معينة، رغم أن الكفاءة والالتزام لا يعترفان بالجندر.
وحين تدخل هذه الحقول، فهي لا تكتفي بتعلم المهام، بل تخوض معركة إثبات مزدوجة، إثبات المعرفة العلمية، وإثبات الحق في الحضور المهني والجسدي. كل إنجاز، وكل قرار مهني دقيق، وكل مبادرة مبتكرة، يتحول إلى حجة عملية ضد المقاومة الثقافية، ويدفع عجلة التغيير ولو ببطء، حتى يصبح الحضور مألوفا بدل أن يكون استثناء.
والميدان في المهن غير النمطية ليس مجرد موقع لتنفيذ المهام، بل مساحة لإعادة التفاوض حول الأدوار والقيم. وكل نجاح يتحول إلى سابقة، تُسهل الطريق لمن يأتي بعده، وتبني بالتدريج جدارا للتغيير الاجتماعي.
أنماط من ردود الفعل المهنية والاجتماعية - منظومات للمساءلة:
1. منظومة القيم المهنية: عبر الالتزام بمعايير الجودة والكفاءة.
2. منظومة الثقافة السائدة: عبر إعادة التفاوض حول فكرة "العمل اللائق".
3. منظومة السياسات: عبر الضغط لفتح مسارات مهنية كانت مغلقة.
ثلاثية العوائق.. المقاومة، الجمود، الإنكار
في بيئات العمل المرتبطة بالمهن غير النمطية، تواجه المرأة ثلاثة أنماط أساسية من التحديات، تختلف في أسلوبها لكنها تشترك في هدفها: الحد من الحضور والتأثير.
- المقاومة، الممانعة الواضحة لوجود المرأة قد تأتي في شكل رفض صريح أو ضمني، عبر وضع العراقيل أو التشكيك المستمر في قراراتها وكفاءتها. في هذه الحالة، تتحول بيئة العمل إلى ساحة اختبار يومي، حيث تحتاج كل خطوة للأمام إلى مضاعفة الجهد لإثبات الجدارة.
- الجمود، وهو تمسك بيئة العمل بالقوالب التقليدية والنماذج القديمة، مع رفض تعديل السياسات المؤسسية أو أساليب العمل بما يسمح بمزيد من التنوع. الجمود لا يهاجم مباشرة، لكنه يعيق التقدم من خلال الإبقاء على النظام كما هو، وكأن التغيير رفاهية لا ضرورة.
- الإنكار، يتمثل في الصمت الذي يبتلع الإنجازات، أو إلغائها رمزيا عبر نسبها لآخرين. هذا النمط يحاول طمس أثر حضور المرأة، وهو من أكثر التحديات إرباكا، لأنه لا يواجه بالمواجهة الصريحة بل بالإخفاء والتجاهل.
أدوات كسر الحلقة المفرغة
حين تدخل المرأة المهن غير النمطية، تحمل معها هذه التاء إلى مساحات لم تكن مأهولة بها من قبل، لتصبح جزءا من مشهد عمل جديد، مليء بالتحديات، ومشحون بردود فعل متفاوتة بين الترحيب والرفض. في الميدان لا ترفع صوتها عبثا، بل ترد على المقاومة بالصبر، وبالملفات الدقيقة، وبقرارات فنية مدروسة. هي تعرف أن الحضور المستمر، والمهنية العالية، والانضباط، هي مفاتيح قلب المعادلة. وحين يتكرر نجاحها في حل مشكلة أو قيادة مشروع، تبدأ المقاومة الثقافية في الانحسار، ويصبح وجودها أمرا طبيعيا لا يثير الجدل.
تطرق أبواب المهن غير النمطية، وتصر على الحضور في مواقع لم تُصمم لها في المخيلة التقليدية. هذه الثلاثية لا تُكسر بالقوة وحدها، بل عبر المثابرة الاستراتيجية، من خلال تقديم الحجة العلمية، وبناء سجل إنجازات موثق، وكسب الحلفاء داخل المؤسسة، وتندرج عوامل النجاح في، المهنية العالية: الالتزام وتحويل الكفاءة إلى واقع لا يمكن إنكاره. المرونة الواعية/الذكية:التكيف مع بيئات العمل والتحديات دون فقدان الهوية المهنية.التواصل الذكي/الفعال:تقديم وربط التغيير بالمصلحة المشتركة لتعزيز الأداء العام والمؤسسة.
من التاء المربوطة إلى الفعل المستدام
التجربة الميدانية تفتح أبوابا كانت مغلقة، وتحول المرأة من مجرد رمز لغوي إلى فاعل ميداني قادر على رسم المخططات وتوقيع القرارات. وهكذا، تتحول "التاء المربوطة" إلى "تاء مفتوحة" على فرص جديدة، ومساحات لم تكن ممكنة قبل أن تطأ أقدامها أرض الموقع.
وفي الميدان، تتحول من نهاية كلمة إلى بداية فصل جديد في تاريخ العمل العام الفلسطيني، ومع تكرار النجاحات، تتلاشى الحاجة إلى تبرير الحضور النسائي، ويصبح الحديث عن المرأة في المهن غير النمطية أمرا اعتياديا، لا حدثا استثنائيا. وهنا، يتغير الميدان نفسه، ليصبح أكثر انفتاحا وقدرة على احتضان التنوع.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية