سقوط المدينة والحلم في الرواية العربية "بيروت بيروت" نموذجا
مهيب البرغوثي

سيرة حياة رجل عاش كمدينة
رحل عن عالمنا قبل ايام قليلة الأديب المصري الكبير صنع الله إبراهيم عن عمر ناهز 88 عاما، على إثر إصابته بالتهاب رئوي.
يعد الأديب الراحل صنع الله إبراهيم أحد أبرز رواد الأدب فى مصر، كما أنه علامة من علامات الأدب المصرى، وله مجموعة متنوعة من الأعمال المميزة، ودخلت بعضها فى قائمة أفضل مائة رواية عربية.
ولد "صنع الله" في القاهرة عام 1937م، وكان لوالده أثرٌ كبير على شخصيته، فقد زوَّده بالكتب والقصص وحثَّه على الاطِّلاع، فبدأت شخصيتُه الأدبية في التكوين منذ الصِّغَر..
تعد رواية "بيروت بيروت" من أبرز روايات الكاتب صنع الله السياسية الواقعية، وقد كُتبت في سياق الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت بين 1975 و1990. صدرت الرواية في ثمانينيات القرن العشرين، وهي تُمثّل نموذجًا للسرد السياسي الذي يشتبك مع الواقع بجرأة وعمق تحليلي.
في العام 1984 خرجت الطبعة الأولى لرواية "بيروت بيروت" ويرصد فيها الحرب الأهلية في لبنان ويبدأها برحلة البطل من مطار القاهرة متجهاً إلى بيروت، في طائرة تجمع عرباً من بلدان شتى بعضهم وجهته لبنان وبعضهم ينوون الاتجاه منها إلى العراق من أجل العمل. منذ البداية تشعرك الرحلة وحديث ركاب الطائرة أنك ستطأ أرض ألغام، فعليك الحذر، فخطوة واحدة خاطئة لا مجال للخطأ بعدها. "سألني بعد لحظة: بيروت وجهتك أم ذاهب إلى مكان آخر. قلت: لا... بيروت. – الشرقية أم الغربية؟. أوشكت أن أجيب تلقائياً أنها الشرقية، ثم تذكرت أن بيروت هي المكان الوحيد في العالم الذي تنقلب فيه المدلولات السياسية للأوضاع الجغرافية. قلت: الغربية وأنت؟"
مشهد البداية ينبئ عن عالم مضطرب، فالأخبار في الصحف عن القصف الإسرائيلي المتجدد على جنوب لبنان، وقرارات حاسمة بوقف إطلاق النار في بيروت الغربية بعد الاشتباكات التي دارت هناك بين الأطراف المتصارعة، اغتيال نقيب بائعي الخضار في بيروت الغربية "منير فتيحة"، وعلى الفور قام ابن القتيل بالرد على اغتيال والده، وهاجموا منزل "بشير عبيد" فأعدموه ومن كان معه في المنزل؛ الشاعر كمال خير بك والشابة ناهية بجاني؛ لأن قاتل النقيب ينتمي إلى الحزب القومي، والنقيب من قادة التنظيم الناصري المعروف باسم (المرابطون)، ليشتعل بعدها فتيل الحرب. ولعل أهم ما يميز هذه الرواية هو البعد التوثيقي الذي نقل صورة لما يجري في لبنان في تلك الحقبة الصعبة، عبر كاتب مصري جاء إلى بيروت كي ينشر كتاباً وهكذا يقدم لنا شهادة عن عالم متشابك لا تزال مواجعه قائمة حتى الآن. فهذا هو جيش حافظ الأسد يدخل ويقتل فلسطينيين، فيما نساء يُغتصبن في مخيم تل الزعتر، وصراع وقتل بين سُنة وشيعة، ومسيحيين ومسلمين، وقطط تنهش الجثث في الشوار
الرواية تدور حول صحفي مصري يُقيم في بيروت خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، ويعيش وسط الانقسامات الطائفية والسياسية، متابعًا الانهيار التدريجي للدولة والمجتمع. من خلال هذا الصحفي، يسرد الكاتب تفاصيل الحياة اليومية في مدينة تحت القصف، بين ميليشيات مسلحة، وانتهاك للحقوق، وتفكك تام للبنية الاجتماعية.
النقاط الاساسية التي تعالجها الرواية
- الحرب الأهلية وعبثيتها: تسلط الرواية الضوء على الطبيعة العبثية والمدمرة للحرب الأهلية، حيث لا يبدو أن هناك رابحًا حقيقيًا، والجميع يدفع الثمن
- تفكك الهوية الوطنية: تعكس الرواية كيف يمكن للطائفية والعنف أن يدمرا فكرة الوطن، حيث تنقسم بيروت إلى كانتونات طائفية، وتُفقد الروح المدنية
- نقد الإعلام والسياسة: يبرز السرد الصحفي دور الإعلام في تزييف الحقائق، ويقدم نقدًا للسياسات العربية والدولية المتورطة في الصراع اللبناني
- الوثائقية كسلاح: استخدم صنع الله إبراهيم أسلوبًا توثيقيًا، مدعمًا بوثائق ومقالات وأخبار حقيقية، ليجعل من الرواية شهادة على زمن عربي منهار.
- التركيز على الحياة تحت القصف، انقطاع الكهرباء، الحواجز الطائفية، اغتيالات الصحفيين والنشطاءمما يضاعف من أثر الفظائع الموصوفة، ويمنح الرواية طابعًا تحليليًا أكثر من عاطفي
دلالات الرواية
تمثل "بيروت بيروت" نقدًا لاذعًا للنخب السياسية العربية التي أوصلت مجتمعاتها إلى الحروب والانهيارات.
تطرح تساؤلات حول دور المثقف العربي في زمن الانهيارات
رواية "بيروت بيروت" ليست فقط عن لبنان، بل عن كل مدينة عربية مهددة بالانهيار. إنها توثيق لهشاشة الدولة، وصرخة تحذير من تكرار المأساة. بأسلوبها الواقعي الجريء، تترك أثرًا عميقًا في القارئ، وتدعوه للتفكير أكثر مما تدعوه للتعاطف.
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"