حين يفكر الذكاء.. لماذا لا نشركه في حل أزماتنا؟
منجد أبو بكر

تمر فلسطين بواحدة من أكثر الفترات تعقيدا اقتصاديا وإداريا، وسط تحديات تتراكم عاما بعد عام: أزمة رواتب الموظفين، احتجاز أموال المقاصة، ارتفاع الأسعار، البطالة المتزايدة، ضعف الموارد، وأزمات البنية التحتية وعلى رأسها أزمة الطرق والمواصلات.
وسط هذه التحديات، غالبا ما تتجه المعالجات نحو الحلول التقليدية، وكأننا ننتظر من الأدوات القديمة أن تنتج نتائج جديدة. لكن العالم تغير، والتكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة للراحة أو الترفيه، بل أصبحت شريكا حقيقيا في التخطيط واتخاذ القرار، وخصوصا الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي ليس برنامجا للدردشة أو مجرد خوارزمية حسابية؛ هو أداة تحليلية فائقة، قادرة على دراسة كم هائل من البيانات في وقت قياسي، وبناء سيناريوهات عملية لحل أزمات معقدة، بل واقتراح حلول لم يسبق أن طرحت على الطاولة.
على سبيل المثال، عند تزويد أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصف دقيق لأزمة رواتب الموظفين في فلسطين، وكيف تتأثر بها حياة مئات آلاف الأسر، قام خلال دقائق بتحليل معطيات الأزمة، وطرح خمسة حلول غير تقليدية. أحد هذه الحلول كان مثيرا للاهتمام: توزيع الحِمل على مختلف القطاعات بدلا من تحميله للموظف وحده.
اقترح النظام إنشاء بطاقات شرائية مخصصة للاحتياجات الأساسية والخدمات (مثل المواد الغذائية، الكهرباء، المياه، والاتصالات) تخصم قيمتها مباشرة من رصيد الموظف المستحق، بينما يتم تحويل جزء من الدين المستقبلي على الحكومة إلى القطاع الخاص. في المقابل، يلتزم القطاع الخاص بتحمل جزء من العبء بشكل مؤقت، كجزء من شراكة اقتصادية وطنية لحماية الاستقرار الاجتماعي، إلى أن تتجاوز الحكومة أزمتها المالية.
قد يبدو هذا الحل معقدا أو غير مألوف، لكنه في جوهره يوزع الضغط بدل أن يتركه متمركزا على جهة واحدة. والأهم أنه ينطلق من فكرة أن جميع مكونات الاقتصاد - الحكومة، القطاع الخاص، المواطن - شركاء في تحمل العبء وإيجاد المخارج.
ولو توسعنا في التفكير، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم خططا مشابهة لحل أزمات أخرى: ضبط الأسعار في أوقات الغلاء، التنبؤ بفرص العمل الرقمية عن بعد لتقليل البطالة، تحسين حركة السير بطرق غير مكلفة، وحتى إدارة الموارد المحدودة بأعلى كفاءة.
الموارد قد تكون قليلة، لكن الذكاء غير محدود. وإدماج أدوات مثل الذكاء الاصطناعي في عمل الوزارات والبلديات والمؤسسات الوطنية يمكن أن يفتح أبوابا لم نكن نعلم بوجودها.
لسنا بحاجة إلى قلب الطاولة، بل فقط إلى فتح نوافذ جديدة للفكر.
إشراك الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور البشر، بل يضاعف قدرتهم على اتخاذ قرارات أدق وأسرع.
فربما، بين كل هذه التحديات، يحمل الذكاء الاصطناعي المفتاح الذي يقودنا إلى حلول لم نفكر بها من قبل.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية