ماذا لو كان محمود درويش على قيد الحياة؟
باسم برهوم

قبل أيام مرت الذكرى 17 لرحيل الشاعر محمود درويش، رمز الثورة الثقافية الوطنية الفلسطينية المعاصرة. الثورة التي كانت تسير جنبا إلى جنب مع الثورة الوطنية الفلسطينية المسلحة. كانت الثورتان تغذيان وتطوران كل واحدة منهما الأخرى، درويش مع شعراء وأدباء وفنانين ورسامين تشكيليين ومثقفين آخرين هو وهم من أعطى الثورة الفلسطينية روحها الوطنية الانسانية، من أعطاها ابداعها وبريقها المحلي والعالمي.
ما ميز الثورة الفلسطينية هو هذا الالتفاف الهائل والرائع من المثقفين الفلسطينيين والعرب من حولها. وهي وقيادتها الوطنية كانوا يدركون ان هؤلاء الأدباء من يمدهم بالقوة المعنوية ويمنحهم دافع الاستمرار بنفس الشغف والعنفوان، حتى في لحظات الانكسار كان درويش بقصائده من يأخذ بيد الثورة ويعيد لها ضياءها.
تشبع محمود درويش بهويته الوطنية منذ طفولته في الجليل، في مواجهة العنصرية الصهيونية نتيجة شعوره بالظلم الثقيل في كل تفاصيل الحياة، وكان الشعر أداة المواجهة الماضية، وكيف إذا كان هذا الشعر وطنيا واجتماعيا يلحظ زوايا الظلم حالكة الظلمة عند الفلسطينيين المسحوقين مرتين، الأولى لأنهم عرب، والثانية لأنهم عمال كادحون.
ولأنه اكتشف مبكرا ان الصراع يدور أيضا حول الرواية والسرديات، فإنه غاص في الأساطير القديمة، التي يعاد انتاجها عنفا وكراهية وعنصرية، فصقل شعره وأعطاها بعده الفلسفي العميق.
وعندما تشرد درويش من وطنه كان يحمل حقيبة ملابسه، وحقيبة أخرى فيها هويته وثقافته وقصائد شعره، اندمج فورا في المكان الذي يناسبه ويسعد روحه وشعوره الوطني، اندمج درويش بالثورة وتحول إلى نجمها الساطع، وأحد أهم صانعي الهوية الثقافية الوطنية الفلسطينية. ومع شاعر بوزن درويش لا نعرف ان كانت الهوية من صنعته، أم هو صانع هويته، ويفك درويش لنا هذا اللغز بقوله:
والهوية؟ قلت
الهوية بنت الولادة، لكنها
في النهاية ابداع صاحبها.
صنعت معظم الشعوب هويتها القومية من وصفة سحرية تجمع بين الأسطورة والتاريخ واللغة، هوية الشعب الفلسطيني قديمة تبلورت حديثا من رحم المعاناة، من الظلم سميك الطبقات، وفي خضم الصراع، وما قام به درويش انه اعطى لهذه الهوية بعدها الملحمي، الذي يصنع ذاكرة جماعية حديدية صلبة.
نعود لعنوان المقال، ونتذكر ان درويش عاش تجربة انقلاب حماس عام 2007. ويمكن ان نقرأ كيف كانت ردة فعله على هذا الانقلاب الظلامي، لنستنتج مواقفه لو كان حيا الآن؟
كتب محمود درويش قصيدة في غاية الأهمية حول الانقلاب بعنوان: "أنت منذ الآن غيرك"، والتي من بين ما قال فيها:
لولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء، لصار
لكل عصابة نبي، ولكل
صحابي مليشيا
القصيدة عبارة عن هجاء شديد اللهجة لحماس ولأفعالها التي قادت إلى الانقسام والاقتتال الداخلي، والقصيدة تضمنت تركيزا كبيرا على الهوية الوطنية. والمخاطر التي تهددها، ليس من الصهيونية هذه المرة بل من جماعات الاسلام السياسي.
الاجابة على سؤال لو كان محمود درويش حيا ليست مسألة من درب الخيال، أو التوقع الصعب، لأن صانع الهوية الثقافية الوطنية لن يقبل بما أوصلت حماس الشعب الفلسطيني إليه من نكبة اشد فظاعة من النكبة الأولى.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية