عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 آب 2025

الغربان.. سارقة الجبن!

تغريدة الصباح - حسن حميد

يا إلهي، ها هي الكتب تحيط بي، وتحط بجواري، وأمامي فوق الرفوف، وفوق الطاولة الوسيعة الشاسعة مثل حقل زيتون، وكلها أعرفها وتعرفني، بعضها قرأتها مرات ومرات، وبعضها حفظت صفحات منها، إنها كتب جغرافية، وتاريخ، وعلوم، وفكر، وآداب، وفنون، وسير ذاتية، وأخرى سير غيرية، وكتب رحلات تجول فيها العادات والتقاليد والأعراف والتصورات مثلما تجول الغيوم بين طبقات السماء، وكلها تشير صراحة إلى المحبة، وتنادي بالمحبة، وتصل في خواتيمها إلى كلمة ذهبية واحدة هي المحبة!

إذًا، ما بال هذه  الكلمة تتوارى، وتحتجب فلا نراها، ولا ندركها، ولا نحس بها؟ لا صورة لها بيننا، ولا طيف من طيوفها يعبر بنا، ولا أحد ينادي بها، ولا عليها، أغدت أمرا مهملا، أم أنها حبيسة أجران حجرية.

هذه كتب قديمة، تحكي قصص الشعوب التي بنت المداميك الأولى للحياة! الشعوب التي عرفت البحار والأنهار، والبراري، والصحارى، والأمطار والثلوج، والخير والشر، والجميل والقبيح، واليابس والطري، والبعيد والقريب، والنافع والضار، والظلم والعدل، والخوف والأمان، والجاذب والنافر! الشعوب التي بنت القرى والمدن، وشقت الدروب والطرق، واخترعت الكتابة والقراءة، وسألت عن الأرض والسماء، والموت والحياة، والأمراض والصحة، وأرقام الحساب والجاذبية، والفقر والغنى، والطيبة والوغدنة، والسلم والحرب، والفنون وآثارها.

ما بال هذه الكتب العتيقة مثل الذهب، لا تحرك عقول من ورثوها، فلا تصوب خطاهم، ولا تهديهم سبل الرشاد والحكمة، ولا تحد من أفاعيل التهور والغطرسة، ولا توقف أنهار الدم، وأنهار الخوف، وأنهار الأسئلة الذميمة الباحثة عن انتصارات خائبة ضريرة، وعن عافيات عجاف، ومذلات لا يغسل أدرانها مطر الدنيا كلها، وعن أفعال ناقصة ملأى بالشناءات.

ألا يقرأ وارثو هذه الكتب عن تلك الحرب الدموية الغادرة، في أريحا الفلسطينية، التي كانت الرائية فيها امرأة لعوب صاحبة كيد ودهاء، وكان قائد جيوشها قاطع طريق يطلب رؤوس الحيوانات ودمها، قبل رؤوس البشر ودمهم، ورؤوس الأطفال الأجنة والرضع، قبل رؤوس الرجال، ثم، وعبر مشهد هزلي، يرفع يديه شاكرا حامدا لأنهر الدم الجاريات تحت قدميه.

هنا، هذا كتاب اسمه (الألياذة) كل صفحاته تبكي الفقد، واللوعات، والخسارات الكبيرة وبحيرات الدم، والأشلاء التي  كانت أعضاء بشرية نبيلة، صفحات تبكي الأبطال الذين ماتوا فبكتهم البيوت والأمهات والعاشقات، والأزمنة، إنه كتاب يبكي الظن بأن القوة هي كل شيء في الحياة، مثلما يبكي الطمع والرغائب في الاستحواذ على ما بين أيدي الآخرين، لا لشيء إلا لأنه يمتلك القوة الباطشة، والنزعات الحقود، والعماء العميم الذي ظنه هو جهرة الوضوح والبيان، كتاب يقول، وعبر سطر وحيد طويل، الحرب ليست سوى الندم، والتفكير بها ندم، وفعلها ندم، وخواتيمها ندم.

وهذا كتاب اسمه (الأوذيسة) كله يدور حول غاية واحدة هي: العودة إلى البيت! ومن أجلها تحتمل مشقات الحياة، ويحتمل الضياع، والتوهان، والكيد، والسحر، وذوبان الأجساد في البحار والبراري، وتحتمل آثار الخيبات، والآلام، والانتظار الأليم؛ كتاب يمر به الزمن أكولا، سنة تلو سنة، وسنة تطوي سنة، وسنة تذم سنة، وسنة تفتك نفسها من سنة أخرى، وسنة تأتي بالتجاعيد والأخاديد، وسنة لا تعرف الخضرة والألوان أو الضوء والأنوار، وهو لم يتأثر، لم تبلغ مقولته، لأن كل ذلك كان من أجل العودة إلى البيت، وهو كتاب يمر بالأمكنة ليتخطى وحشتها، وصدودها وأفخاخها التي نصبت في الظلال، وليتخطى الأيدي التي شرعت للخنق والموت، كيما يجوزها.. من أجل العودة إلى البيت.

وهذا كتاب اسمه (فاوست)، وبجواره كتب السير الشهيرة التي تتحدث عن الذين آمنوا بأن القوة هي السبيل للمكانة والعزة، حتى لو باعوا أنفسهم للشيطان، ها هي تقف عند نهايتهم النادمة، لكن سالت ما بين رغباتهم وندمهم، دماء كثيرة، ودمرت قرى ومدن، وارتفعت جبال من الحزن والأسى والبكاء، قتل أطفال، وأحرقت زروع، إنها كتب تقف عند نهايتهم لتصفهم بالجنون والتهور والغطرسة، واللاإنسانية، ولكن من يعتبر.

وهذه كتب، متفاوتة الأحجام، تتحدث عن الموسيقى، والألوان، والتراتيل، والأناشيد، والصلوات، والأموال، والأسواق، والأعياد، والنجوم، والأقمار، والأولاد، والأفراح، والزينات.. كلها خالية من القسوة، والغضب، والحمق، والاستعلاء، والقوة، والظلم، والعتمة، والأشراك، والسحر الأسود، والكذب، والادعاء، والحط، والتحقير، وإدارة الظهر.. لأن من كتب هذه الكتب ذاق طعوم المحبة البادية صورا، وهم يرون حياة البحار والشواطىء، وحياة الأنهار والضفاف، وحياة البراري والأعشاب والأشجار والسواقي والطيور والندى والزروع، وما يفعله الفرح ويبنيه في النفوس، وما تفعله الطمأنينة التي تؤنس البيوت والحقول، وما تبديه الخطا التي تؤنس الدروب، و ما يأتي به الاختلاط بين الناس الذي يجعل للحياة.. معنى!

وهذه كتب فيها قصص وروايات وأحداث وسير محتشدة بالأحقاد، والغلو، والريبة، والخيانة، والصلف، والغدر، وهي قصص حكام، وأهل جاه ومكانة، وقادة جيوش، وأصحاب أموال وأطيان وعقارات، آخوا الطمع والقوة.. ورضوا بهما لاستعباد الآخرين والتضييق عليهم، وتفننوا في صناعة آلات الحرب، ووضعوا الخطط لخراب حياة الآخرين، فصاروا هم وممارساتهم أبشع صورة مما يحدث في الغابات.

 وهذه كتب، وضعها حكماء، وأهل تجارب، ورجال دين، تركوا الناس والاهواء، وارتضوا بالعزلة طلبا للصفاء، ومعرفة الأسس التي  تقوم عليه النفس البشرية، إنها كتب كثيرة، تقول جميعها: إن خاتمة الإنسان، أيا كانت دروبه وحروبه، وأيا كان صلفه وجبروته، هي الانطفاء داخل مترين من الأرض ليس إلا!

أقول هذا، وأنا أرى وأسمع أهل الوحشية والقوة الدموية، وما يفعلونه من أعاجيب لا تفعلها الوحوش، ولا الزلازل، ولا البراكين، ولا غضبات البحار والأنهار.. ويدعون، مع ذلك، أنهم بشر يعملون من أجل الأخلاق، والإنسانية!

بلى، إنهم عميان، يمشون بسرعة عجيبة نحو مترين.. من التراب!

ملاحظة:

قالت لي السيدة التي نضدت هذه السطور: من تقصد؟

قلت: الغربان سارقة الجبن!

Hasanhamid5656@gmail.com