قراءة في كتاب "الأبارتهايد الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، تجاذبات المفهوم وأنماط المواجهة"
د. رمزي عودة

يعتبر هذا الكتاب الذي صدر مؤخراً عن الحملة الاكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والابارتهايد الاسرائيلي من أهم الكتب التي تستعرض تجربة الفصل العنصري تجاه الشعب الفلسطيني الممارسة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وتشير محتوياته التي ضمت 15 بحثاً علمياً محكماً الى أن نظام الأبارتهايد هو مؤسسة متسقة ومتكاملة تهدف الى تكريس الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة أولاً، وتهجير الشعب الفلسطيني ثانياً. وفي هذا الإطار، يشير حسن عبدربه في دراسته "منطلقات الأبارتهايد وعنصرية الاحتلال الصهيوني" الى أن هذه المنظومة الإسرائيلية العنصرية تستند الى جذور دينية توراتية وأيديولوجية وحزبية.
من جانب آخر، أكد وليد عبيات في بحثه "الأبارتهايد في القانون الإسرائيلي" أن قانون القومية اليهودي وغيره من قوانين الكنيست تعتبر الإطار المرجعي الناظم لدستور الابارتهايد في إسرائيل.
وفي سياق الاطار المعرفي لنظام الفصل العنصري (الابارتهايد) الموجه ضد الشعب الفلسطيني، نجد أن الأبحاث التي ضُمّنت في هذا الكتاب، تأثرت بشكل واضح في تجربة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ليس فقط لأنها ملهمة للشعوب التي تناضل من أجل التحرر والانعتاق من الظلم، وإنما أيضاً لتشابه الكثير من العناصر في محتوياتها.
وبرغم خصوصية التجربة الفلسطينية باعتبارها اشتملت على احتلال كولينيالي إحلالي يهدف الى التهجير وإحلال المستوطنين اليهود محل العرب الفلسطينيين، الا أن تجربة جنوب أفريقيا استمرت في إلهام الباحثين في هذا الكتاب بضرورة استنباط النتائج والعبر من أجل نيل الحرية للشعب الفلسطيني. وهذا بالضبط ما ذهبت إليه مريم شومان في دراستها "الاستفادة من تجارب الشعوب في مقاومة الأبارتهايد: دروس من جنوب أفريقيا لمواجهة الأبارتهايد الإسرائيلي" التي أكدت أن تجربة النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يمكن تبنيها في التجربة النضالية الفلسطينية.
وبنفس الاستنتاج، أكد صقر سليمان في دراسته "نظام الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية: النموذج الأكثر عنصرية"، على وجود عناصر أكثر تشابه مع تجربة نضال الأميركيين الأفارقة ضد التمييز العنصري. الا أنه اعتبر الحالة الفلسطينية الأكثر عنصرية في تجارب نضال الشعوب لنيل حقوقها المدنية والسياسية.
ومتابعةً لموضوعة التشابه والاختلاف بين تجربة الفصل العنصري في كل من جنوب أفريقيا وفلسطين، فانني قد أشرت في دراسة لي نشرت في الكتاب بعنوان "التحول في المفاهيم.. من الأبارتهايد الى الايكاب في الاراضي الفلسطينية المحتلة" الى تحول مفهوم الفصل العنصري في التجربة الفلسطينية الى "الايكاب"، وهو مزيج من سياسات الفصل العنصري وسياسات التطهير العرقي، الذي تستخدمه دولة الاحتلال اسرائيل كغاية ووسيلة في نفس الوقت.
وفي السياق السابق، أجمعت غالبية الأبحاث المساهمة في الكتاب على توافر مجموعة من العناصر التي شكلت تجربة الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني، ومن أهم هذه العناصر الاستيطان، وعزل المناطق، وإنشاء جدار الفصل العنصري، وإنشاء المحميات الطبيعية، والتنكيل والاضطهاد، ومصادرة الأراضي وسرقة وتدمير البيوت والممتلكات، وتهويد المناطق لاسيما القدس. الى أخره من العناصر العدوانية التي تستخدمها دولة الاحتلال بشكل ممنهج ومنظم لاستمرار الاحتلال وخلق واقع جغرافي وديمغرافي كولينيالي يمنع قيام دولة فلسطينية.
وفي إطار مظاهر الفصل العنصري الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني لفتت نظرنا وفاء القيسي في دراستها بعنوان "أسرلة المناهج وتهويد المدارس في القدس الشرقية (2014-2024)"، الى أن "أسرلة التعليم" هي إحدى أدوات الأبارتهايد ضد الشعب الفلسطيني، حيث إن دولة الاحتلال تستخدم نظاما عنصريا موجها ضد التعليم في المدارس الفلسطينية في القدس الشرقية، وذلك بهدف محو الهوية الفلسطينية ومسح الذاكرة الجمعية للجيل الناشئ في القدس.
من جانب آخر، أكدت دلال عريقات في دراستها " فلسطين: ما بين الابارتهايد والابادة الجماعية "بين طمس الهوية والصمود" على أن ما يقوم به الاحتلال الاسرائيلي من إبادة جماعية في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر يعتبر شكلاً من أشكال تكريس نظام الفصل العنصري والابادة الجماعية الممارس ضد الشعب الفلسطيني، حيث يعاني الفلسطينيون في القطاع من القتل وهدم البيوت والنزوح والحرمان من الرعاية الصحية والغذائية.
ومما لا شك فيه، وجود آثار غاية في الخطورة على الشعب الفلسطيني نتيجةً لممارسة سياسات الفصل العنصري تجاهه، وقد أشار الباحثان عزام عمرو وخبيب الزهيري في دراستهما المشتركة "آثار نظام الفصل العنصري "الأبارتهايد" على الشعب الفلسطيني" الى أن هذه السياسات العنصرية اشتملت مجموعة من القوانين والقرارت العسكرية الاسرائيلية تهدف في مجملها الى احتكار الموارد والمياه الجوفية وتقسيم الضفة الغربية جغرافياً بما يحد من قدرة الفلسطينيين على استخدام أراضيهم ومواردهم.
وفي نفس السياق، أشار عليان هندي في دراسته "المناطق الفلسطينية المحتلة.. نظام الحكم والأوامر عسكرية العنصرية الحاكمة" الى مجموعة من القرارات والقوانين الاسرائيلية العنصرية بما فيها قوانين الكنيست وقانون القومية اليهودي وهي تهدف في مجملها الى ضم الضفة الغربية، الذي يؤدي بدوره الى قتل حل الدولتين وخلق واقع جغرافي وديمغرافي جديد يجعل من إمكانية قيام دولة فلسطينية أمراً صعباً، بل مستحيلاً، وهذا ما أطلقت عليه الباحثتان نادية أبو زاهر وايناس الزين مصطلح "إعادة تشكيل الأرض الفلسطينية"، حيث ذهبت الباحثتان في دراستهما المشتركة "انعكاس نظام الابارتهايد الإسرائيلي على فرص التوصل لدولة فلسطينية مستقلة" الى أن بناء المستوطنات والجدار الفاصل والحواجز الإسرائيلية تؤدي إلى تغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية لصالح المستوطنين.
وفي نهاية هذا التقديم، أشير الى أن عدداً من الباحثين أكدوا في دراساتهم في هذا الكتاب على اعتبار نظام الفصل العنصري تجاه الشعب الفلسطيني يخرق القانون الدولي ويعتبر جريمة حرب، وهذا ما أكده فؤاد ربايعة في دراسته "نظام الأبارتهايد الإسرائيلي وانعكاسه على المجتمع الدولي". ويتابع ربايعة: إن ما تقوم به اسرائيل من جرائم ضد الانسانية بما فيها جريمه الفصل العنصري شكلت صدمة للمجتمع الدولي وللمنظومة الدولية القانونية.
من جانبه، اعتبر الفقيه القانوني كمال قبعة في دراسته "دلالات واستحقاقات الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.. في وسم إسرائيل بدولة فصل عنصري" بأن هنالك صحوة عالمية تجاه الجرائم الإسرائيلية، خاصة جريمة الفصل العنصري التي ترتكب بحق الشعب العربي الفلسطيني، وتمثلت هذه الصحوة العالمية بصدور عدد من التقارير الإسرائيلية والدولية التي تجرم اسرائيل.
وفي خاتمة استخلاصاتنا لأهم المحاور الأساسية التي وردت في هذا الكتاب، نؤكد أن هذه الاسهامات المعرفية ستؤدي الى إثراء المكتبة العربية والفلسطينية في موضوع مهم، وهو الأبارتهايد تجاه الشعب الفلسطيني، وسيستفيد من وجود هذا الكتاب العديد من الباحثين في الجامعات، وهو الأمر الذي سيساهم لا محالة في زيادة كم ونوع الأبحاث والدراسات المقدمة في موضوعة الابارتهايد. التي ستعمد في مجملها على توصيف هذه الحالة الفريدة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة، كما أنها ستساهم في ترشيد وحوكمة السياسات النضالية الوطنية والعالمية لمواجهة هذا الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية