في الثقافة العربية المرأة على عاتقها إحقاق السلم الأهلي
لما عواد

في مجتمعات مضطربة، تتعدد مسارات الصراع وتتشابك ملامح الأزمات، لكن ثمّة مسار واحد غالبًا ما يُغفل في مساعي بناء السلام: مسار النساء.
في بلادنا العربية، حيث تتقاطع النزاعات السياسية مع أزمات اقتصادية وتوترات اجتماعية، تتحمل المرأة عبئًا مزدوجًا، البقاء على قيد الحياة، والبقاء على قيد الأمل. وهي، وإن أُقصيت مرارًا عن طاولات القرار، إلا أنها بقيت حارسة البيت، وصوت التفاوض داخل المجتمع، وحاملة بذور السلم الأهلي في قلب العاصفة.
في بلاد تتقاطع فيها الأزمات وتتكاثر النزاعات، تبقى المرأة العربية اليد التي لا تهدأ، والصوت الذي لا يُقصى.
المرأة والسلم الأهلي: من الهامش إلى القلب
يُقصد بـ "السلم الأهلي" ذلك التوافق المجتمعي غير المكتوب، الذي يضمن تماسك المجتمع رغم التعدد والتناقضات، ويحول دون الانزلاق إلى الفوضى أو العنف الأهلي. وفي هذا السياق، تلعب المرأة دورًا مركزيًا لا باعتبارها فقط نصف المجتمع، بل لأنها الفاعل المجتمعي الأقدر على ممارسة الوساطة الاجتماعية، وتجسيد القيم الجمعية، وتربية أجيال أكثر تسامحًا وميلًا للحوار.
في المدن المهددة بالتفكك الأهلي، تكون النساء أول من يرفض الانقسام على أسس طائفية أو عشائرية أو مناطقية. وهنّ غالبًا من يخلقن مساحات "آمنة" للحوار، سواء في البيوت، أو المدارس، أو عبر شبكات العلاقات الاجتماعية. كما أن تجاربهن الحياتية المتعددة في مواجهة الفقد والفقر والعنف، جعلتهن أكثر وعيًا بثمن الحرب وأهمية السلام.
ليست المرأة فقط أمًّا أو زوجة أو أختًا... بل هي صانعة سلام في البيوت، ومصلحة اجتماعية في المجتمعات، ووسيط حقيقي بين الأمل والخذلان.
نماذج من السياق العربي
في فلسطين، لطالما كانت النساء في الخطوط الأمامية للنضال الوطني، لكنهن أيضًا من عملن على رتق النسيج الاجتماعي في وجه الانقسام السياسي، وفي التخفيف من آثار العدوان والحصار على المجتمعات.
في سوريا، شكّلت النساء لجان المصالحة الشعبية، وأدرت حوارات داخل المجتمعات المحلية المنقسمة، رغم الإقصاء الرسمي.
أما في اليمن، فقد قدن مبادرات نسوية غير رسمية للوساطة بين القبائل، وعملن على توفير الإغاثة وتعليم الأطفال، في ظل غياب مؤسسات الدولة.
وفي ليبيا والعراق والسودان، نجد مبادرات نسائية فاعلة تعمل على مكافحة خطاب الكراهية، ودعم الناجين/ات من العنف، وتدريب النساء على الوساطة المجتمعية.
عوائق ومقاومات
رغم الأثر العميق الذي تتركه النساء في مسار السلم الأهلي، إلا أن حضورهن في مفاوضات السلام الرسمية ما يزال هامشيًا. وغالبًا ما تُختزل أدوارهن في الجوانب "الناعمة" كالرعاية والدعم النفسي، دون اعتراف بأهليتهن السياسية والاجتماعية.
كما تواجه النساء في المجتمعات العربية ثقافة تقييدية تُقصيهن من المجال العام، وتربط أدوارهن بـ"البيت" لا "الوطن".
نحو إدماج حقيقي للمرأة في بناء السلم.
- لكي يتحقق سلمٌ أهلي حقيقي ومستدام في العالم العربي، لا بد من الاعتراف بدور المرأة كصاحبة قرار، لا فقط فاعلة خير.
- تمكين النساء في مواقع التأثير السياسي والبلدي والمجتمعي.
- تعزيز برامج التعليم التي تدمج مفاهيم المساواة واللاعنف، وتقودها نساء.
- إدراج النساء في كل مراحل المصالحة وبناء السلم من التخطيط إلى التنفيذ.
- مأسسة الجهود النسائية عبر شبكات نسوية عابرة للمناطق والطوائف.
السلام لا يُبنى دون النساء.
السلم الأهلي يبدأ من صوت امرأة تقول: "كفى".
فلنعترف بدورهن، ولنرفعن أصواتهن، فسلام مجتمعاتنا يمرّ من حنجرة النساء.
صوت الأمل من الهامش
ليست المرأة العربية في إحقاق السلم الأهلي طرفًا داعمًا، بل هي الركيزة التي لا يُبنى السلم بدونها. وإذا كانت الحروب من صنع الرجال، فإن السلم كثيرًا ما يبدأ من النساء، من مطبخ أُمّ، أو نصيحة جدّة، أو حلقة نساء يتداولن حلولًا لمشكلات لا تلامسها السياسات.
في عالم عربي تتقاذفه التصدعات، تظل النساء صاحبات المشروع الأصدق للسلم، لأنه يبدأ من الجذور.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية