محمد لافي..
تغريدة الصباح- حسن حميد

لا يمر يوم عليّ، أياً كانت الشواغل والهموم، إلا وأشكر الله الذي قيّض لي أن أتعرف الكثير من الكتب التي غيّرت حياتي، وصوّبت جهاتي، وأفرحت قلبي، لأنها قادتني إلى عوالم السحر والدهشة، والأهم، أنها قادتني إلى عالم الأسئلة، لأنّ الدنيا من دون الأسئلة الوافية هي جهة صماء، جهة مغلقة، جهة خالية من الخيال والمجاز والجنون الجميل.
والحال كانت كذلك، حين قيضت لي المحبة أن أتعرف إلى أدباء وكتّاب وشعراء، وأهل علم ورأي، كنت مندهشاً بما كتبوه، وأبدعوه، وما قالوه، وحين عرفتهم ازدادت دهشتي لأني عرفت فيهم وجهاً آخر للجمال والإبداع والاشتقاق، ولأن الكتب التي أخذت بيدي، وغيّرتني، كثيرة، ولأنّ أهل الكتابة والإبداع والجنون الجمالي كثرة أيضاً، فإنني هنا، سأخص أحد معارفي بالسطور القادمة، ذلك لأنّ في كتابته خصوصية لها علاقة بالتفرد، ولأنّ في حياته خصوصية مذهلة في التفرد أيضاً، وهنا أسأل هل الحياة قائمة على الاشتقاق الجميل، والتفرد المدهش، والمضايفات النايفة؟ أظن ذلك، لأنّ المؤتلف مؤتلف، ولأنّ الجموع جموع، والمتشابه متشابه، فلا مفارقات، ولا تضاد، ولا انزياحات.
أجل، قيّضت لي ظروف الغربة، وظروف العمل، وصورة الحال الفلسطينية، ومنذ وعيتها قبل خمسين سنة وأزيد، والمصادفات أن أتعرف إلى الشاعر محمد لافي، فعملت وإياه في إحدى الصحف الفلسطينية، كان يبحث عن مطرح شعري خاص به، وكنت أبحث عن مطرح خاص بي في السرد، كان يعيش في وسط غابة شعرية، فلسطينية وعراقية وسورية، أغلب شعرائها من أصحاب الأصوات المنادية بالتجديد الشعري، والحرص على أن تكون القصيدة دارة للسحر والدهشة، وأن تحمل هماً إنسانياً، أو أن تشير إليه، وأن يكون الجمال في الشعر لا في القول.
كان محمد لافي، وحيثما حل، شاعراً بين شعراء سورية، أعني الأسماء المضيئة، مثلما كان شاعراً في لبنان بين شعراء يختلفون في كل شيء، حتى على ضرورة الهواء. كان لافتاً للانتباه في قصيدته القصيرة، النزقة، الحادة، ذات الأوتار المشدودة، وفي انتباهاته المدهشة حقاً إلى التفاصيل التي كادت القضايا الكبرى، والجروح الكبرى، أن تكتبهما وبطريقة وحشية، لا تخلو من روح غضوب، وكلام ثقيل، كما كان لافتاً للانتباه في جسده الصغير، وهدوئه الشاسع، ونظراته العميقة، وصمته الطويل، واستجاباته التي يشعر المرء بأنها لا تخلو من ارتباك، فهو غير ميال إلى استنباط الأسئلة المستفزة ذات الوجوه الرامية شرراً، ولا هو من طلاب الأضواء التي يريدونها لهم وحدهم كحق طبيعي، كان، كشاعر، هادئاً وصامتاً وألوفاً، ومتصالحاً ومتحملاً، أعني صبوراً، أكثر مما ينبغي، لهذا ما كان يستغرب أسئلة تراوده أو تستهدفه مثل: كيف تقابل هذه الحياة المتناقضة بكل هذا الهدوء، والصمت، والصبر؟ وأين هو مزاج الشاعر الرجراج المتباين، وأين هو النزق والغضب والصراخ، وكل ما حولنا من أحوال وحالات وأحدث وحادثات وأخبار تحتاج إلى هذا؟ كان يبتسم، ويستل بصعوبة جملة أو جملتين، تلخص رؤيته: وماذا بأيدينا كي نفعل ما نحب أو ما نرغب به! كان مكسورا مثل غصن هو أصل الشجرة بعد عام 1982، وحامي الظهر والقلب معا.
قرأت محمد لافي بهدوء وقصد، حين سللت نفسي من الأخبار الثقافية العامة والصاخبة التي تتحدث عن قصيدة جديدة لشاعر اسمه من ذهب، أو تتحدث عن رواية عالية المقام لسارد من رتبة جبرا إبراهيم جبرا، جالست شعر محمد لافي بوعي، حين تخففت قصيدته من آثار الآخرين السابقين عليه في السن والتجربة والحضور، أي حين صارت قصيدة محمد لافي صوته الصافي، وصورة موهبته، وحين صارت مفرداته صادرة عن معجمه اللغوي الخاص به، وحين صارت نظراتها، ورؤاه، وصياغاتها، وجماليات قصيدته خاصة به فعلاً، وتشبهه، أي حين مال إلى الاقتصاد اللغوي، والحفاظ على أفخاخ أسطره الشعرية، في وقت مضى الشعراء إلى كتابة القصيدة الطويلة التي أخطأ بعض النقاد، خطأ أخلاقياً ، حين سموا اتجاهها بالاتجاه الملحمي، كتب محمد لافي القصيدة القصيرة، القصيدة البرقية حتى لو طالت سطورها الشعرية قليلاً، أي القصيدة، التي تحمل انفجاراتها في داخلها كي تمضيدفعاً إلى خاتمتها التي تهز الوجدان والدروب، والقلاع، وأشجار السنديان. كتب عن المكان الفلسطيني، عن البيوت، وحقول السمسم، وعن أسيجة العليق، وعن (سناسل) الحجارة التي تحيط بالحواكير، وقد خزّنت حرارة الشمس ودفئها لعاشقين ليليين، سيأتيان لائذين بها، في أول الليل أو في آخره، وكتب عن الناس وقلقهم وتقلبهم ما بين مكان أصيل وطارئ، وما بين أوجاع قديمة وأخرى جديدة، وما بين أحلام قديمة وجديدة أيضاً؛ كتب برقيات محبة امتدح فيها أصواتاً أدبية وفكرية، وكتباً ثقالاً روّت أرواحنا بالجمال، وانتشلتنا من ركوع أليم، وكتب في التأمل، واستبطان الذات البشرية، وما تعيشه، وهي تواجه غول الظلمات، وما أكثرها على حد تعبيره، أو وهي تبني قلاع الأفراح والمشتهيات حتى لو كانت قلاعاً رملية على ساحل بحر غضوب.
وخلال السنوات الثلاثين الماضيات، مكّن محمد لافي صوته من أن يكون صاحب تفرد وعلوة شدّتا انتباه ناقد عربي كبير مثل أستاذنا الدكتور إحسان عباس الذي صرخ: هذا هو الشعر المشدود مثل وتر، لا التفات فيه، ولا تلبث، ولا سهو، ولا إمالات.
نعم، أقولها الآن.. ونحن نفتقد صاحب ديوان (مقفى بالرماة) وهذا العنوان لا يعني محمد لافي، أو فرداً ما، وإنما يعني شعب فلسطين العزيزة، التي أحاطته الحياة، والظروف الضريرة، وصور البستان.. بالرماة! إن خسارات محمد لافي كانت كبيرة وهجينة وجارحة، لكنه، ومن حجارتها، بنى مدونته الشعرية الباذخة، وبها ربح مطرحه الشعري المهم والجوهري والمضيء، حين نذكر الشعر، وحين نعدد الشعراء، وهم القلة النادرة في كل زمان ومكان، أليسوا هم الأحجار الكريمة المسروقة من مغارة السحر؟ .
حسن حميد
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية