عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 تموز 2025

الإعلام الرسمي الفلسطيني وإطلاق المنصة التركية.. قراءة في التحول الاستراتيجي نحو الدبلوماسية الرقمية متعددة اللغات

د. إيمان هريدي

الفضاء الرقمي: الساحة المركزية لتشكيل الرأي العام  العالمي

في لحظة فارقة  تتعاظم فيها أهمية الفضاء الرقمي بوصفه ساحة مركزية لتشكيل الرأي العام العالمي، ورافعة استراتيجية للدبلوماسية  العامة، يواصل الإعلام الرسمي الفلسطيني إعادة تموضعه دوليا  عبر أدوات الدبلوماسية الرقمية، واضعا نصب عينيه  ضرورة امتلاك رواية فاعلة وقادرة على العبور إلى وجدان الشعوب بلغاتها وأدواتها.

وفي هذا الإطار، أطلق الإعلام الرسمي مؤخرا منصة رقمية جديدة باللغة التركية، تضاف إلى شبكة ديناميكية تتضمن  ما يقارب خمسين منصة إعلامية ناطقة بإحدى عشرة لغة عالمية، تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي، ضمن مشروع استراتيجي يحمله  شعار لافت: "نأخذ فلسطين إلى العالم، ونأتي بالعالم إلى فلسطين."

هذا التوسع لم يأت بوصفه خطوة عددية أو توسعية فحسب، بل يجسد تحولا نوعيا في وظيفة الإعلام الرسمي الفلسطيني ، من ناقل تقليدي للأحداث إلى فاعل حيوي في المشهد الاتصالي العالمي، يضطلع بدور مركزي في بناء السردية الفلسطينية وإعادة تعريفها دوليا، كأحد أذرع القوة الناعمة الوطنية في مواجهة حملات التشويه وطمس الحقائق.

 

اللغة التركية: جسر ثقافي وجغرافي يفتح آفاقا جديدة للرواية الفلسطينية

يعد توظيف اللغة التركية في المنصة الجديده التي أطلقها الإعلام الرسمي الفلسطيني خيارا استراتيجيا يتجاوز الحسابات اللغوية إلى ما هو أعمق وأكثر تأثيرا. فليست المسألة مجرد اختيار لغة إضافية للتواصل، بل هي رهان واع على امتداد ثقافي، وشعب حي، ومساحة جغرافية واسعة تشكل حاضنة محتملة للرواية الفلسطينية.

إحصائيا، تعد التركية خامس  أكثر اللغات نطقا حول العالم، حيث يتحدث بها نحو 250 مليون شخص، يتوزعون على جغرافيا شاسعة تمتد من الصين وآسيا الوسطى شرقا، إلى أوروبا غربا، ومن سيبيريا شمالا حتى حدود لبنان جنوبا، فضلا عن حضورها الرسمي في قبرص، وشعبيا في عدد من جزر بحر إيجة.

لكن البعد التركي في المشروع  الإعلامي الفلسطيني يتخطى الجغرافيا، ليلامس وشائج تاريخية وإنسانية تجمع الشعبين، ويستند  إلى واقع عملي ملموس؛ فتركيا اليوم تحتضن جالية فلسطينية ناشطة تضم أكثر من ألف عائلة، معظمهم يقيمون في إسطنبول. وتبرز ضمن هذه الجالية نخبة من رجال الأعمال—يزيد عددهم على 200 رجل أعمال فلسطيني—إلى جانب عشرات الأطباء، والمديرين التنفيذيين،  والمهنيين العاملين في السوق التركية.

تأسيسا على هذا الواقع، تشكل اللغة التركية جسرا مزدوج الاتجاه: فهي من جهة تعزز وصول الرواية الفلسطينية إلى جمهور تركي واسع يتابع  باهتمام تطورات القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى تعمق الصلة بين فلسطين وأبنائها في الشتات، خاصة داخل تركيا، وتعيد إدماجهم في مشروع وطني يتسع لهم ويخاطبهم بلغتهم . ولذا، يمثل اختيار اللغة التركية خيارا استراتيجيا يستهدف جمهورا فاعلا ومهتما بالقضية الفلسطينية في قلب المشهد التركي الإقليمي.

 

"الإعلام الرسمي الفلسطيني متعدد اللغات: ركيزة استراتيجية لتعزيز الرواية الوطنية والدبلوماسية

في إطار الاستراتيجية الوطنية الشاملة لتعزيز حضور الإعلام الرسمي الفلسطيني على الساحة الدولية، تأتي رؤية المشرف العام على الإعلام الرسمي، التي ترى أن إطلاق منصات إعلامية متعددة اللغات أصبح ضرورة وطنية ملحة فرضتها متغيرات المرحلة وتعقيدات الاشتباك الإعلامي الدولي. وتشكل هذه  الرؤية ركيزة أساسية في بناء رؤية شمولية تسعى إلى توسيع قاعدة الجمهور المستهدف وتعزيز النفاذ إلى الرأي العام العالمي بلغاته الأصلية، متجاوزة بذلك  كل الحواجز الثقافية واللغوية التي تعيق وصول الرواية الفلسطينية الحقيقية.

ويعد هذا التوجه ترجمة عملية لفلسفة المشرف العامفي أن الإعلام الرسمي الفلسطيني يعنى، عبر هذه المنصات، بممارسة أدوات القوة الناعمة، من خلال نقل القيم الحضارية والتاريخية للشعب الفلسطيني، وترسيخ صورته كشعب صاحب حق وشريك حي في النضال من أجل الحرية والكرامة، مقاوما كل محاولات الإلغاء والتشويه، ومنطلقا من جذوره الوطنية الأصيلة.

وتشكل هذه الاستراتيجية الإعلامية أداة فعالة لمواجهة الهيمنة الإعلامية الإسرائيلية، عبر إنتاج إعلامي مهني متوازن يعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية الأصيلة، ويخدم مصالح الجاليات الفلسطينية في الشتات، من خلال محتوى يعزز انتماءهم ويدعم تواصلهم المستمر مع القضية الوطنية.

كما تلعب هذه المنصات دورا حيويا في ترسيخ الدبلوماسية العامة والتأثير غير الرسمي على الشعوب، عبر بناء علاقات استراتيجية تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، وتسعى إلى تقديم صورة مشرقة لفلسطين كدولة حضارية مقاومة ومنفتحة على العالم،  تقدم نفسها ليس فقط كقضية سياسية، بل كهوية ثقافية وأدبية وفنية متجذرة في تاريخ إنساني عميق، وجسر يربط بين الشعوب عبر قيم الفهم  والاحترام المتبادل.

في ضوء ذلك، يظل الإعلام الرسمي الفلسطيني ركيزة مركزية في مشروع التحرر الوطني، وحصنا صلبا للحفاظ على حق شعبنا في رواية تاريخه، وتقديم قضيته بصورة تستند إلى الثقة والاحترافية والعمق  الاستتراتيجي.

 

التحول الرقمي للإعلام الفلسطيني: من سرد تقليدي إلى دبلوماسية رقمية متعددة اللغات

تشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن المنصات الإعلامية الرسمية التابعة للإعلام الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعي تحصد شهريا أكثر من مليار تفاعل مباشر من مختلف أنحاء العالم، تتنوع بين إعجابات وتعليقات ومشاركات، ما يعكس حضورا رقميا نشطا ومؤثرا.

ويمثل هذا التوجه نقطة تحول استراتيجية في الإدراك الإعلامي الفلسطيني، إذ انتقلت معركة السرد الوطني من فضاء الأرض التقليدي إلى فضاءات الإعلام الرقمي متعددة الأبعاد، ضمن ساحة سردية تتجاوز الحدود الوطنية لتستهدف جماهير عالمية متنوعة اللغات والثقافات. فقد بدأت الرواية الفلسطينية، التي طالما تعرضت للتهميش والتشويه في وسائل الإعلام الغربية، تستعيد حضورها وتثبت أقدامها في وعي الشعوب الأجنبية، من خلال مخاطبتها بلغات هذه الشعوب وأساليب تواصلها.

وفي هذا السياق، لم يعد دور الإعلام الرسمي الفلسطيني محصورا في كونه ناقلا للأحداث أو مفسرا لها، بل تطور ليصبح فاعلا مركزيا في إنتاج المعنى وتوجيه النقاشات السياسية والثقافية، مستندا إلى سردية قائمة على حقائق راسخة واستراتيجية اتصال متكاملة وذكية. ففي عصر تتنافس فيه السرديات على السيطرة، أصبح إتقان فن توطين القضية الفلسطينية عاطفيا ورمزيا شرطا أساسيا لمنح الرواية مشروعيتها وتأثيرها.

بناء على ذلك، يمكن قراءة الإعلام الفلسطيني الرسمي اليوم كأداة سيادية ناعمة، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة، والهوية بالتقنية، والذاكرة بالاتصال. ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق المنصة الإعلامية التركية لا يشكل مجرد توسع تقني، بل هو استثمار استراتيجي واع في أدوات الإعلام الحديث، يعكس رغبة فلسطين في تثبيت وجودها الرقمي واللغوي في وعي الشعوب المختلفة، وتمكينها من سرد قصتها والدفاع عن حقوقها بنفسها، وباللغات التي يفهمها العالم.

 

اختيار اللغة التركية: خطوة استراتيجية فلسطينية تواكب التحولات الإقليمية وتعزز التأثير الإعلامي

ختاما، في ظل تصاعد الحضور الإعلامي التركي إقليميا ودوليا، تأتي هذه الخطوة الفلسطينية لتواكب التغيرات في خريطة التأثير، وتسعى لاقتناص فرص التفاعل الجماهيري مع قضايا العدالة والحقوق والحرية. فاختيار اللغة التركية لا ينفصل عن إدراك الفلسطينيين لمنصات التأثير الجديدة، ولأهمية التحرك داخل مجتمعات تمتلك حساسيات سياسية وثقافية متقاربة، واستعدادا فطريا للانخراط في مناصرة القضية.

ملاحظة : الدبلوماسية العامة تشير إلى مجموعة من الاستراتيجيات والسياسات التي تعتمدها الحكومات أو الجهات الرسمية للتواصل المباشر مع الجماهير والشعوب الأجنبية، بغرض تشكيل الرأي العام الدولي، وتعزيز الدعم السياسي والثقافي لقضاياها الوطنية. وتستخدم الدبلوماسية العامة أدوات متعددة تشمل وسائل الإعلام، البرامج الثقافية، التبادلات التعليمية، والأنشطة الاجتماعية، متمردة بذلك على الحصرية التقليدية للدبلوماسية الحكومية الرسمية التي تتم عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية بين الدول. وتعكس الدبلوماسية العامة توجهاً معاصراً يدمج بين الاتصال الاستراتيجي وبناء الهوية الوطنية على الساحة الدولية.