رحل زياد الرحباني، سليل الاغنية الايقونية، ونجل سيدتها فيروز، عزيزة هذه الأغنية، وجميلتها الساحرة، بواقعيتها الأسطورية، حين هي أغنية الحقل، والبلاد، والضيعة، وأغنية الأمل، والحب، والمكابدات الموجعة، الاغنية التي أطاحت في المحصلة بغثيث العواطف المبتذلة، وزعيق الكلمات الحسية المنحطة.
ومنذ أن غنت فيروز "سنرجع يوما إلى حينا" تملكت الهوية الفلسطينية، وأورثت جمرتها لنجلها، لتسير بها في دروب "القدس العتيقة" وتصلي لأجلها، ولتقرع بصوتها "أجراس العودة" بعد أن كانت قد أعلنت "أنا لا أنساك فلسطين"، زياد الرحباني سليل هذه الاغنية ونجل جينات مبدعيها عاصي الرحباني وفيروز، الجينات التي خلقت هذه البيئة الإبداعية، بثوريتها الجمالية، وبأصالة قيمها الإنسانية، وعلى نحو ما لا يمكن وصفه، تورد، وتنور زياد في بره لوالديه، حين تكامل أمينا، وبليغا مع جيناتهما، محلقا بها بروح القصيدة، كمثل عصفور سماوي، في فضاء موسيقى الدهشة، والوجع، والفكاهة اللاذعة، موسيقى النقد، والاعتراض، والشكوى، حين لحن وغنى "أنا مش كافر بس الجوع كافر" وموسيقى التحدي، والتطلع، بفرح "العود الرنان" وهو ينادي على عازفه "عيدا كمان ضلك عيدا يا علي".
وزياد لم يكن ملحنا فحسب، بل كاتب، وناقد، ومسرحي، أبحر في الواقع اللبناني الحزين، والشأن العربي المثلم، بالأغنية والتعليقات الساخرة، ومبكرا رأى زياد في الشأن الفلسطيني، اختراعا مشبوها قال إن اسمه حركة "حماس" اختراعا تم إنجازه " ضد أبو عمار، ومنظمة التحرير الفلسطينية" كما أوضح ذلك في مقابلة تلفزيونية له ذات يوم.
كم كان بليغا، وصاحب رؤية، هذا المبدع الجميل، "حماس" اختراع إذن، ولن نألو جهدا بطبيعة الحال، لنعرف من هم أصحاب هذا الاختراع اليوم، الذين ما زالوا ينفخون في صورته من على شاشة فضائية "الجزيرة" وبحبك المزيد من جولات التفاوض، التي لا تريد نهاية للحرب طبقا لغايات "نتنياهو" و"حماس" معا...!! لن نألو جهدا لنعرف المعرف، والمعروف، ولأننا لا نريد ذلك الآن هنا، لأن حزننا على رحيل هذا الفذ زياد الرحباني، هو حزن فلسطين وأهلها، ولهذا كان أول المعزين للسيدة فيروز بوفاة نجلها العزيز، هو الرئيس أبو مازن رئيس دولة فلسطين.