عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تموز 2025

ليست زلّة لسان ولا فشّة خُلق

تغريدة الصباح- محمد علي طه

في غزّة جوع. كلامٌ عاديّ. عدد من أطفال شعبنا في القرن الحادي والعشرين يموتون جوعًا. لا ماء ولا غذاء ولا دواء. مرضى يموتون جوعًا وصور الأطفال الجائعين والهياكل العظميّة لأطفال شعبنا على شاشات التّلفاز في أمريكا وأوروبا ودول عديدة في هذا العالم، وعلى الصفحات الأولى لأشهر الصّحف العالميّة. ويبدو أنّ الضّمير العالميّ بدأ يصحو، بعدما شاهد جرائم الحرب اليوميّة الّتي تقترفها حكومة إسرائيل، وما يفعله يوميًّا الجيش الاسرائيليّ والطيّارون الاسرائيليّون المتفوّقون والماهرون بإصابة الأهداف. عشرات القتلى من المدنيّين الفلسطينيّين يوميًّا. شيوخٌ ونساء وأطفال ورجال. سبعون قتيلًا في اليوم. تسعون قتيلًا في اليوم. الرقم صار عاديًّا. استشهد البعض فيما هم يسعون الى الحصول على زجاجة ماء أو على رغيف خبز ونتنياهو ينكر أنّ هناك جوعًا وأنّ هناك قتلًا. نتنياهو يقتل ويُنكر. يجوّع ويُنكر. القتل اليوميّ أمر عاديّ وقد يكون خبرًا صغيرًا عاديًّا. مثلًا: أربعون قتيلًا حتّى السّاعة العاشرة، سقط تسعون فلسطينيًّا اليوم في خان يونس. والحرب مستمرّة والطّائرات تقصف والمدافع تقذف والجنرال الكبير يتحدّث عن النّصر المنتظر. نتنياهو يريدها حربًا طويلة كي يحافظ على كرسيّه وحكومة إسرائيل تريدها حربًا طويلة لإبادة الشّعب الفلسطينيّ، والمعارضة الاسرائيليّة (باستثناء حزب العمل) يريدونها طويلة كي تكون إسرائيل الكبرى خالية من حرف الضادّ.

يجلس في داخل كلّ فرد من رئيس حكومة إسرائيل ووزرائه وأعضاء ائتلافه الرّابي كهانا بلحمه وشحمه وأمّا في داخل كلّ واحد من هؤلاء الّذين يسّمون معارضة فيستتر كهانا صغير. يريدونها حربًا طويلة كي يخلو قطاع غزّة من العرب. هل قطاع غزّة فقط؟ لستُ أنا ما يقول هذا الكلام الخطير بل يقوله العقلاء واللبراليّون من أبناء المجتمع الاسرائيليّ. قادة الائتلاف وقادة المعارضة قلقون جدًّا لأنّ بين النّهر والبحر يعيش سبعة ملايين ونصف مليون انسان يهودي اسرائيليّ وسبعة ملايين ونصف مليون انسان عربيّ فلسطينيّ. هذا أمر خطير بالنّسبة لهم بل هذا فشل كبير للسّياسة الاسرائيليّة.

بصق عشرات الآلاف من أبناء وبنات شعبنا على سياسة بن غفير وهتفوا في سخنين وفي رهط وفي أمّ الفحم وفي يافا: أوقفوا الحرب.

عشرات الآلاف من اليهود في تل أبيب وحيفا يهتفون أيضًا أوقفوا الحرب. وفي غزّة جوع وموت ودمار ووزير اسرائيليّ كبير يبحث في أمريكا وأوروبا عن دولٍ إفريقيّة أو آسيويّة لتّهجير الغزّيين إليها. حكومة إسرائيل من أقصاها الى أقصاها والمعارضة أيضًا يريدون قطاع غزّة خاليًا من العرب. هل قطاع غزّة فقط؟ وغانتس ولبيد وثالثهم ورابعهم وسابعهم صامتون. وفي غزّة جوع. ووزراء في حكومة إسرائيل يقولون إنّهم يسعون من أجل موت العرب ولا معارضة لهم. وفي غزّة جوع. والنّاس يأكلون ويشربون ويرقصون في العواصم العربيّة. وفي غزّة جوع. وأنا؟ لا تؤاخذوني. أنا يعني أنا فقط لا غير. ليس أنتَ أيّها القارئ ولستِ أنتِ أيتّها القارئة. أنا وليس أنتم. معاذ الله أن أعني أنتَ أو أنتم. أنا أنتقل من وليمة عرس الى وليمة عقيقة. وأتناول لحم الخروف والأرّز والصنّوبر والسّمك. وأشتم لجنة المتابعة وأعضاء الكنيست العرب والسّلطة الفلسطينيّة، وسوف آخذ قرضًا، غدًّا في الصّباح، من البنك وأسافر كي أستجمّ في سويسرا أو جزر اليونان أو تايلاند أو دبي وأكتب في الفيسبوك عن الجوع في غزّة. أنا في تايلاند أستجمّ وأشتم. أنا في دبيّ أستجمّ وأشتم. في غزّة جوع والأطفال يموتون. في غزّة أطفال يحلمون بكأس حليب أين أنتم يا عرب.

معذرة أيتّها القارئات ومعذرة أيها القرّاء فقد خرجت عن النّصّ. ربّما هي زلّة لسان. وربّما هي فشّة خلق وربما لا هذه ولا تلك، إلّا أنّني خرجتُ عن النّصّ، فأنتم مناضلون ووطنيّون وعقلاء وحكماء وصامدون في الوطن وتحفظون قصائد زيّاد ودرويش والقاسم وطوقان وبسيسو والمناصرة. وتغنّون مع زياد الرّحبانيّ. والحرب طويلة طويلة والحكومة عنصريّة والمعارضة فافوش ولا بدّ من أن نتوّحد وأن نغيّر هذا الواقع المرّ. لا بدّ. كفى كلامًا. جاء وقت العمل.