عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تموز 2025

البلاد المقدسة

تغريدة الصباح -حسن حميد

 

-1-

   بكى تشيخوف (1860-1904) على كتف تولستوي (1828-1910) وهو يتذكّر، وإياه، محطات، ومواقف، وأحداثا، وحادثات، من حياة نيقولاي غوغول (1809-1852) الذي عاش سنوات قليلة ملأى بالشقاء والألم والاضطراب النفسي.

   سأل تشيخوف أباه تولستوي، ولكم كان يناديه: يا أبي، من هم آباء الأدب الروسي؟ فقال: اثنان: بوشكين (1799-1837) وغوغول. قال تشيخوف: ولماذا مات الاثنان وهما في فورة الشباب يا أبي. قال تولستوي: كانت مهمتهما شق الطريق الأدبية، والإبانة عن الأدوات، والأساليب، وقول المراد. قال تشيخوف: وهل أصيب غوغول بالجنون حقاً يا أبي. قال تولستوي: لا أظن، وإن اعترف هو في كتابه (يوميات مجنون) بأن الجنون أدركه حين ذوى جسده، وكثرت أسئلة عقله، وبهتت عاطفة قلبه، وقلت أمنياته وأحلامه. قال تشيخوف: وأين أجد هذا الكتاب يا أبي، قال تولستوي: لدي نسخة منه، في الزيارة القادمة أحضرها إليك معي.

-2-

   لم ينتظر تشيخوف الزيارة القادمة لـ تولستوي فأرسل أحد معارفه إليه، وطلب النسخة، فأعطاه تولستوي إياها، وعاد الرجل بها فرحا، لأنه، وهو في الطريق، قرأ فصولاً منها، فهزّت مشاعره اللغة الساحرة التي نظّمت اليوميات، مثلما هزّت مشاعره أذيات النقد التي لحقت بما كتبه غوغول، فحطّت من قيمة أدبه، وتجاهلت أسلوبه، ونعت عليه بأنه جعل روسيا كلها في مكان لا يليق بها أن تقف فيه.

-3-

   تشيخوف طلب كتاب غوغول (يوميات مجنون) لا ليقرأ اعترافه بأن الجنون أدركه، وهو لم يبلغ الأربعين من عمره آنذاك، وإنما أراد قراءة الكتاب ليعرف أسباب رحيله إلى البلاد الفلسطينية، ولماذا عزم على القيام بهذه الرحلة، وهو لا يمتلك من نفقاتها إلا اليسير، فهو ليس الشاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين (1790-1869) الذي أنفق آلاف الفرنكات الفرنسية من أجل رحلته إلى البلاد الفلسطينية، وقد استأجر باخرة فخمة، وأخذ معه أصحابه، وأهل بيته، وزار مصر ولبنان وسورية، وهو في طريقه إلى القدس، وقد استغرقت رحلته شهوراً، وكتب عنها كتابه المعروف ( رحلة إلى الشرق). لقد سعى تشيخوف إلى الاستحواذ على كتاب (يوميات مجنون) لـ غوغول ليعرف ما كتبه عن زيارته للقدس، وهل كانت رحلته رحلة دينية، أم رحلة استشفاء، أم هي رحلة لاستكشاف طبيعة الحياة التي يعيشها الفلسطينيون المسيحيون في البلاد المقدسة، أم هي رحلة لرؤية العمران الذي أسهمت فيه يد الحذف الروسية حين بنت الكنائس والأديرة والمدارس ومراكز تعليم اللغة الروسية، أم هي رحلة اعتراف أمام القساوسة بأنه ملحد، لا يؤمن إلا بما يراه.أما سبب اهتمام تشيخوف بهذه اليوميات، فيعود إلى أن أحد أصدقائه الأطباء نصحه بأن يسير في المسار الذي ساره غوغول وهو يطلب الشفاء، أي الذهاب إلى القدس، فهي منطقة جبلية، ومناخها يساعد على اكتساب الصفاء الذهني، مثلما تساعد دور عبادتها على تقريب المسافة ما بين الأرض والسماء، وما بين الواقعي والخيالي، وما بين الرضا والسخط!

-4-

   قرأ تشيخوف (يوميات مجنون) فأدرك اضطراب سلوك غوغول ووعاه، وهو الطبيب، لأن غوغول كان سريع التحول من مسار إلى مسار، فقد قرأ اعترافه، بعدما حط به الجسد، أن شفاء حالته النفسية صعبة، وهو لا يستطيع ضبطها أو السيطرة عليها، وربما يستطيع ضبطها والسيطرة على اضطرابها داخل الكنيسة، ولا بد من أن تكون الكنيسة عظيمة مثل كنيسة القيامة، والاستماع إلى القساوسة وما يقولونه عن سيدنا المسيح وأمه، وهم آباء وأصحاب رتب علمية وكهنوتية عالية، ولا بد من أن ما يقولونه ويروونه عن المعجزات لعظيم، ويعترف غوغول أيضاً أنه لا بد له من معايشة المؤمنين الذين نذروا حياتهم للأديرة وخدمة الناس، والدعوة إلى الفرح والابتهاج لأنهما هما الطعام الروحي للإنسان.

   قرأ تشيخوف ما قاله غوغول عن المعابد المسيحية، والأديرة، والعمران الفخم، وعن الهدوء الذي عم روحه، وعن طيب العيش مع من التفاهم، والبساطة التي رأى فيها سر الحياة العميق، ثم قرأ ما كتبه غوغول بأن القساوسة نصحوا بالنزول إلى الشوارع، ومخالطة الناس، ومحادثتهم، وقد ساعدوه بأن اختاروا مترجماً ليكون رفيقاً له في تجواله في القدس، وبيت لحم، وهنا تكمن أهمية (يوميات مجنون) التي تتحدث بلسان غوغول عن الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية..وغنى النهار بالأسئلة، والتجوال، والرؤى، وغنى الليل بالروائح، والشموع، والأنوار، واجتماع الناس، وهم في صفاء نادر تعيشه أرواحهم أو تنشده، كما تتحدّث بلسانه أيضاً عن البخور، والشموع، والزيت والأرصفة التي امتلأت بالبضائع، من أكياس الزعتر، وقطع الحلوى، والكعك، إلى الكتب القديمة، والصور الدينية، وكتيبات الأدعية، ومن الصلبان على اختلاف أنواعها إلى الثياب المطرزة. لقد سرت اليوميات تشيخوف، لأنّ غوغول نسي اضطرابه النفسي، وما عاد يعي تقلبه من حال إلى حال، وما عاد يحس بسيطرة مزاجه على تصرفاته، وهذا ما لاحظه أيضاً القساوسة الذين عاش غوغول بينهم؛ لكن تشيخوف غص، حين عاودت حالة الاضطراب النفسي غوغول، بعد خروجه من البلاد الفلسطينية المقدسة.

-5-

   حين جاء تولستوي لزيارة تشيخوف، بعد أن صار كتاب غوغول بين يديه، سأله: هل وجدت سبباً لجنون غوغول؟ قال تشيخوف: لا، لكنني عرفت، بعد قراءته، لماذا تناديني نفسي وبإلحاح.. كي أزور تلك البلاد المقدسة!

[email protected]