عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تموز 2025

الصهيونية الدينية من الكيبوتسات إلى الإبادة

سؤال عالماشي - موفق مطر

تعكس جرائم المستوطنين في الضفة الفلسطينية المحتلة، السياسة الاستراتيجية لحكومة منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني برئاسة بنيامين نتنياهو، فما بين الصهيونية السياسية، التي ابتدأت استيطان أرض وطن الشعب الفلسطيني التاريخي والطبيعي (فلسطين) وأسست الوكالة اليهودية في عشرينيات القرن الماضي، وما بين الصهيونية الدينية الحاكمة الآن بأكثرية مقاعد كنيست (إسرائيل) غشاء رقيق جدا، وظفته المنظمة الصهيونية للتمويه على أهدافها الحقيقية، بعيدة المدى، بما يتلاءم مع واقع  الظروف الدولية، وتحقيق أهدافها، فالصهيونية السياسية التي بلورت فكرة إنشاء "وكالة يهودية" في مؤتمر بازل الشهير سنة 1897، مموهة بشعارات وأهداف تبدو اقتصادية مالية وإنتاجية، لكن مهمتها الأساسية تأمين هجرة يهود، من مواطنهم الأصلية نحو فلسطين، أسندت فيما بعد بمؤامرة دولية استعمارية مدونة في تفاصيلها في وثيقة كامبل 1905، حيث قررت سبع دول استعمارية آنذاك فكرة إنشاء كيان في المنطقة الاستراتيجية الفاصلة ما بين آسيا وأفريقيا، ومانعة للتواصل ما بين بلاد شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط (شمال إفريقيا)، لضمان انقسام أقطار الوطن العربي، ومنع توحدها، وإبقائها في حالة صراعات طائفية ومذهبية وعرقية واجتماعية، وتخلف فكري وثقافي، وضمان السيطرة على مواردها الاقتصادية، وكان رفع وتيرة "المشكلة اليهودية" في أوروبا، وتسريع عملية اضطهاد مواطنيها من أتباع اليهودية، سببا استغلته المنظمة الصهيونية السياسية، فأسست (الوكالة اليهودية) التي أصبحت واقعا رسميا سنة 1922، ليتبين للباحثين فيما بعد، فظاعة المؤامرة التي حبكتها الوكالة – باعتبارها الجناح التنفيذي للصهيونية السياسية – مع حكومات دول في أوروبا، لتشديد الضغط  والإجراءات على مواطنيها اليهود، لإجبارهم على سلوك طريق الهجرة عبر الوكالة التي كانت جاهزة لتصيدهم، وتقديم كل ما من شأنه تسهيل إيصالهم إلى فلسطين، أما سلطة الانتداب البريطاني فقد منحت الوكالة صلاحيات كثيرة ويسرت لها اعترافا من عصبة الأمم المتحدة، إلى أن اصبحت ما يشبه حكومة داخل حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين، ولنلاحظ قبل الانتقال إلى أساليب وواقع الصهيونية الدينية أن الوكالة قد عملت على زيادة أرقام الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشراء أراض بمساحات واسعة، وإنشاء تجمعات استيطانية زراعية وإنتاجية (الكيبوتسات) والتركيز على تعليم أجيال اللغة العبرية، التي ثبت أنها مسروقة من أبجدية سريانية من المنطقة الحضارية شرق وغرب نهر الفرات أي في سوريا والعراق!

وبعد استقرار مسارات الوكالة اليهودية، في تشجيع هجرة يهود من أوروبا (الأشكناز) ليكونوا عماد دولتهم التي قررها المستعمرون الكبار أصحاب (وثيقة كامبل)، عملت الوكالة على اختراق أجهزة أمن وحكومات في بلاد عربية، لسن قوانين، وأعمال إرهابية وتفجيرات لتخويف (مواطنين عرب يهود) لإجبارهم على الهجرة الى فلسطين، قبل وبعد حرب سنة 1948 وهذا موثق في كتاب، إلياهو ساسون، بعنوان "الطريق إلى السلام ".

والسؤال الآن: ماذا تفعل الصهيونية الدينية؟ سوى استعادة صورة منظمة "الهاغاناه" الصهيونية المسلحة، التي نشأت في ظل الانتداب البريطاني، لكن منظمات المستوطنين الإرهابية، مسلحة من مخازن دولة إسرائيل التي ما زالت تسوق ذاتها "دولة القانون والديمقراطية الفريدة في الشرق الأوسط"! وتخصص أموالا للاستيطان وتوسعته وحمايته من موازنة وزارتي المالية والأمن، وتعزيز قواعد ومصانع الإرهاب بالمستوطنات، حيث يتصرف بالأولى، وزير حزب الصهيونية الدينية سموتريتش، وبالأخرى وزير الأمن القومي بن غفير، بصلاحيات مطلقة منحت من رئيس حزب الليكود نتنياهو، الذي ساهم بشكل فاعل وملموس، برفع إرهاب المنظمات الصهيونية المسلحة إلى مستوى إرهاب حكومة دولة، فالمستوطنون يقتلون فلسطينيين ويحرقون ممتلكاتهم، وجرائمهم الإرهابية  المنظمة، والمحمية تحت مظلة حكومة الصهيونية الدينية، قضت منظمات أممية قانونية وقضائية، ومنظمات حقوقية إنسانية، بارتقائها لمستوى جرائم الحرب، وضد الإنسانية، علاوة على كون الاستيطان بحد ذاته جريمة حرب ومخالفة للقانون الدولي! ورغم ضغوط دول العالم وحكوماتها، حتى إن بعضها بدأ يهدد بفرض عقوبات على بن غفير وسموتريتش، فإن حكومة الصهيونية الدينية اليوم تخالف مواقف دول كبرى، نفترض تأكيد إرادتها عمليا لتطبيق القانون الدولي، لذلك لا غرابة عندما نسمع  نتنياهو يردد عبارة "تحقيق السلام بالقوة" ومقصده إخضاع  الشعب الفلسطيني، وإنهاء قضية حل الدولتين، بقوة السلاح، أي بثلاثية: الإبادة والاحتلال والاستيطان .