عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 تموز 2025

معاني الحديث حول تحريك حدود سايكس بيكو

باسم برهوم

تلميحات مبعوث الرئيس الاميركي للبنان وسورية توم براك أعادت إلى طاولة البحث النقاش القديم حول خرائط وحدود سايكس بيكو، ويبدو ان التلميحات لا تأتي من فراغ. خصوصا من ما جرى في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023،  من حرب واسعة غيرت موازين القوى، فمن الطبيعي بعد حروب كهذه ان تخرج السيناريوهات عن ما هو تقليدي، وما كان دارجا منذ اكثر من مائة عام. والذي كان طوال الوقت رهينة للخارطة التي رسمتها أقوى امبراطوريتين في حينه بريطانيا وفرنسا انطلاقا من مصالحهما الاستعمارية. ما كان يحرك بريطانيا وهي تفكر بالسيطرة على الشرق الأوسط امران، الأول ضمان طريق بري مفتوح من شواطئ البحر المتوسطة الشرقية إلى الهند، المستعمرة الاهم للامبراطورية، والثاني ضمان الدفاع عن قناة السويس من الشرق، اما فرنسا فكانت تعتقد ان شواطئ البحر المتوسط سواء في شمال أفريقيا او في الشرق  هي امتداد لها ولنفوذها.  وان فرنسا هي اول من وصل إلى الشواطئ السورية مع بداية الحملات الصليبية.

ولكن من المفيد ان نتذكر ان حدود سايكس بيكو قد جرى تغييرها جوهريا عندما تم إحلال دولة إسرائيل مكان فلسطين، الدولة التي كانت قائمة ضمن التقسيمات البريطانية الفرنسية، وتم إلغاء فلسطين عن الخريطة. كما تم تغيير الحدود مرة اخرى في حرب العام 1967 عندما احتلت إسرائيل هضبة الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء.

بدأ تقاسم الشرق الاوسط بخط رسمه مارك سايكس على خريطة المنطقة شرق المتوسط كانت موضوعة على طاولة وزارة الحرب البريطانية في لندن، بدأ الخط الذي رسمه سايكس من نقطة شمال حيفا وذهب به إلى الموصل شمال العراق وصولا إلى بلاد فارس، وخاطب من  كان حوله من أعضاء مكتب الاستعمار البريطاني قائلا: جنوب الخط يجب ان يبقى بأيدي بريطانيا،  وشمال الخط يمكن ان يكون لفرنسا. وعندما تم توقيع اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى، كان هم مارك سايكس ان تأخذ بريطانيا ما ارادته، وعندما اصرت فرنسا ان تكون فلسطين من حصتها، كان وعد بلفور هو الحل لكي تحتفظ بريطانيا بفلسطين، بهدف حماية قناة السويس وضمان الطريق البري للهند.

بعد انتهاء الحرب واثناء رسم الحدود والخرائط جرتنزاعات لا حصر لها بين الفرنسيين والانجليز ليصلوا في النهاية للخريطة والحدود التي نعرفها اليوم، استمرت عملية رسم الحدود سنوات طويلة وتخللها مؤامرات ودسائس بين الطرفين، وكانت الحركة الصهيونية حاضرة في بعضها لتضمن لنفسها حدودا اوسع للدولة اليهودية المستقبلية، وغاب عنها العرب تماما. الشيء الوحيد الذي تم تغييبه عن خريطة سايكس بيكو هو فلسطين، وحتى عندما ثبتها جزئيا قرار التقسيم للعام 1947، ونتيجة لتشابك المصالح، وبالتحديد رغبة بريطانيا للحفاظ على مصالحها في الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية، تم تمزيق فلسطين وإلغاء وجودها على الأرض ومن ثم عن الخرائط.

بعد الغاء فلسطين بطريقة ظالمة، ومنذ ذلك التاريخ لم يستقر الشرق الأوسط، الذي شهد عشرات الحروب والتمردات والحروب الأهلية، وطوال الوقت واصلت الصهيونية،ومن ثم إسرائيل التنكر لوجود فلسطين والفلسطينيين، وحتى عندما اعترفت بوجود الشعب الفلسطيني في اتفاقيات أوسلو سرعان ما عمل التيار الصهيوني المتطرف على الغاء هذه الاتفاقيات وتفريغها من اي مضمون كي لا يتطور الكيان الفلسطيني الذي اتاحت وجوده الاتفاقية إلى دولة فلسطينية.

اليوم بعد الحرب الإقليمية،فان واشنطن تشعر انها صاحبة اليد العليا في المنطقة، وبإمكانها ان تعيد صياغتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، هناك مفهوم تحدث به المنظرون الأميركان بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية. عندما انفتحت الولايات المتحدة على العالم من جديد. قال هؤلاء " ان اي طرف يريد التوسع في العالم عليه ان يسيطر على الشرق الأوسط، ومن يريد ان يحد من توسع الاخرين في العالم عليه ايضا ان يسيطر على الشرق الأوسط" . هذا المفهوم له ما يعنيه اليوم بحيث بإمكان واشنطن من خلال سيطرتها على الشرق الأوسط ان تمنع التمدد الصيني على سبيل المثال.

نعود لفكرة تحريك حدود سايكس بيكو، فإن واشنطن تعتقد ان الشرق الاوسط بحاجة لإزاحات في الحدود لتوسيع دول وتضييق أخرى، او إنتاج دول جديدة، ولكن في النهاية سنكون امام خريطة مختلفة، هناك سؤال مهم ماذا تريد واشنطن او ما هو الهدف من هذه الإزاحات؟

وقد يعاد رسم الخرائط حسب الامتدادات العرقية والطائفية والمذهبية. فكما قال توم براك ان بريطانيا وفرنسا تقاسمتا المنطقة انطلاقا من مصالحمها الامبريالية، دون النظر لسلام المنطقة واستقرارها، وقال ان إدارة الرئيس ترامب ستترك الامر لشعوب المنطقة لتقرر هي مصيرها بنفسها.

لا نعرف حتى الآن إذا ما كان إعادة النقاشات القديمة إلى السطح مجددا هو مسألة جدية أم انها مجرد ضغوط لتقبل هذه الشعوب بما تراه واشنطن لها. ام هو حديث جدي. وبغض النظر عن جدية الحديث من عدمه،  فان علينا ألا نترقب بل ان نحدد مسبقا ماذا نريد؟