عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 12 تموز 2025

رواية "أطياف" لوفاء داري.. سرد ذاكرة الوجع الفلسطيني

مهيب البرغوثي

تحدثنا الرواية عنواقع الشعب الفلسطيني في أكثر من مكان جغرافي. وأنت تقرأ في الرواية من اول الصفحات، تلاحظ أن هناك -"فلاش باك"- رسالة غامضة لشخص غامض تعيد الحياة من اولها فتشعر أن الكلمات تتجسد، تخرج عليك الشخصيات، تحاورك وتحاورها، بل تقف في وجهك وتصبح جزءا من الحوار.

"اطياف" رواية فلسطينية صدرت حديثا عن "دار الرعاة ومطبعة ابو خليل للطباعة والنشر" في رام الله وتقع قي  218 صفحة للكاتبة وفاء داري ابنة القدس،تعتبر الرواية عملا ادبيا ينتمي الى ما يعرف بأدب ما بعد النكبة ويمتاز هذا الادب بعدة سمات مثلت الرواية جزءا مهما من محوره:

 

الحنين إلى الوطن والعودة

يظهر الحنين في الرواية  كموضوع محوري، حيث تُصبح، الأرض الابن،والاصدقاء كحلم دائم.

 

الهوية الوطنية

تعكس الروايةالحرص على الحفاظ على الهوية، رغم قسوة المجتمع ومحاولات الاحتلال طمس معالم الهوية الوطنية،التي تتناول موضوعات مثل: اللغة، العادات، الزيّ، والمكان بوصفها عناصر مقاومة للنسيان.

 

الضياع والقلق الوجودي

تركز معظم روايات الادب الفلسطيني ما بعد النكبة 1948 على القلق الدائم من فقدان الهوية كوجود ولغة تناضل من اجل البقاء. وتظهر في النصوص نزعة تأملية في الهوية، والمكان، والزمن، والانتماء.

 

الواقعية السياسية والاجتماعية

تميل الكاتبة من اول الرواية إلى توثيق الأحداث والوقائع السياسية الكبرى: النكبة، النكسة، الاجتياحات، الحصار،الصراع الاجتماعي والسياسيمرورا بمحطات من حياتها الخاصة كأيام الدراسة والنشاط الطلابي.

 

تحوّل في وظيفة الأدب

لم يعد الأدب وسيلة للتعبير الجمالي فقط، بل أصبح أيضًا أداة للمقاومة، والتوثيق، والدفاع عن الحق.يظهر ما يُعرف بـ"المثقف المقاوم" الذي يرى في الكتابة موقفًا سياسيًّا وأخلاقيًّا.

 

تعدد الأصوات

مع انتشارالشعب الفلسطيني في الشتات، صار أدب ما بعد النكبة متنوعًا في لغاته ولهجاته وسياقاته واصبح له هوية خاصة "ادب الارض المحتلة".

 

المرأة الفلسطينية

ساهمت الكتابة في تقديم صورة مركّبة للنكبة، تتضمن النظرة النسوية لما تعنيه الخسارة، والمنفى، والمقاومة.

 

الحنين في رواية "أطياف"

في هذا العمل الأدبي، تنسج الكاتبة من خيوط الذاكرة والحنين والواقع المرير لوحةً سردية تُصوّر فيها وجع الفلسطيني في وطنه وفي الشتات، تنتمي الرواية إلى تيار الواقعية الحديثة، وتمزج بين الشعرية العالية، والحس السياسي، والاجتماعي، والإنساني.

تتحدث عن نضال الطلاب الفلسطينيين في الجامعات، وتحديدًا دور المرأة في النشاط الطلابي والعمل الصحفي الميداني وخاصة دور المرأة الفلسطينية واهم المعيقات التي ثقف في وجهها.

 

الفضاء المكاني والزماني

تدور أحداث الرواية في فضاءات متعددة، تبدأ من القدس، مسقط رأس الكاتبة، وتمتد إلى المنافي والأمكنة التي يتناثر فيها الفلسطينيون بفعل الاحتلال واللجوء. الزمن في الرواية ليس خطّيًا، بل يعتمد على تداعي الذكريات، بحيث يصبح الماضي حاضرًا، والحاضر مسكونًا بالأطياف.

 

الشخصيات والرمزية

تغوص الرواية في عمق النفس الانسانية عبر شخصيات متعددة، لكلٍّ منها حكايتها وصراعها الداخلي والخارجي.البطلة الرئيسية تُمثّل نموذج المرأة الفلسطينية التي تحيا على تماسٍّ دائم مع الحنين، والخسارة، والمقاومة.أما "الأطياف"، فهي ليست فقط أرواح من رحلوا، بل رموز لأحداث ومراحل وأماكن اندثرت أو شُوِّهت، لكنها لا تزال حيّة في الوجدان.

 

اللغة والأسلوب

تتميّز لغة وفاء داري بجمالياتها الشعرية وكثافتها الرمزية، فهي تستخدم لغة مشحونة بالعاطفة والصدق، وتميل إلى التكثيف والتلميح، مما يمنح الرواية طابعًا تأمليًّا وفلسفيًّا، وفي كثير من المواضع، تنحرف اللغة إلى الشعر، وكأن الرواية قصيدة طويلة تتحدث عن الاغتراب، والحنين، والحب، والخسارة.

 

قضايا الرواية

الهوية والانتماء: كيف يحافظ الفلسطيني على هويته في ظل التهجير والمحو؟المرأة الفلسطينية: حضور الأنثى في الرواية ليس هامشيًّا، بل جوهريّ، حيث تُمنح صوتًا قويًّا يعبّر عن الأنوثة، والقوة، والخذلان أحيانًا.الذاكرة الجماعية: الرواية مشروع استعادة للذاكرة، لا بوصفها استذكارًا فقط، بل كفعل مقاومة للحذف والتشويه.

 

خاتمة

رواية "أطياف" لوفاء داري ليست مجرد سرد لحكاية فلسطينية، بل هي تأريخ عاطفي وسياسي لفلسطين من منظور إنساني، بلسان امرأة فلسطينية عاشت المعاناة والظلم، لا من الاحتلال فقط، بل من أقرب الأقرباء؛ من ابنها الذي تعامل معها كمشروع تجاري وأبعدها عن بيتها ومدينتها التي تحب،هي شهادة وجدانية على ما حلّ بالشعب الفلسطيني، وفي الوقت ذاته، هي فعل أدبي يواجه النسيان بالصوت، والفقد بالكتابة، والمنفى بالحنين-هذا الحنين الذي كان في زمن ما سلاحًا للوطن.

إنها رواية امرأة عاشت بعيدة عن كل مقاييس "النجاح" في هذا الوطن من جاه ومال، وتسلّحت بالكلمة. بدأت بالصحافة وانتهت بالصحافة. امرأة قابلت الهجر والحرمان من أقرب الناس لها بالصمت والكتابة، وكان العقاب أقسى مما يمكن لأي إنسان احتماله.

لا أعرف هنا كيف أنظر إلى الموضوع

أعلم أن ابنها "ورد" كان جاحدًا، ومارس عقوق الوالدين على أمّه بعد أن أعطته كلّ ما يريد من مال وبيت وزوجة، ثم طردها من بيتها

قرأتُ الرواية وأنهيتها، وكانت الدموع في عيني.

كم من "أطياف" في بلادنا: متفانية، صابرة، مثابرة.

وكم من "ورد"، وهو لا يكون بالضرورة الابن وحده، بل قد يكون المجتمع نفسه الذي قسا عليها وعانت منه.