عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تموز 2025

من يحدد أولويات الشعب الفلسطيني؟

باسم برهوم

دعونا نبدأ باقتراح، أن نجري استفتاء لنعرف من خلاله الأولويات التي يحددها الشعب الفلسطيني لنفسه، لنترك للقارئ فرصة ان يتخيل، ان يتوقع كيف ستكون عليه النتيجة، وفي ذات الوقت، ليسأل القارئ نفسه كيف يمكن أن أجدول انا أولوياتي الوطنية، وكاتب هذا المقال بصفته مواطنًا فلسطينيا، سيجد نفسه أمام أولويات تقوم حماس بتحديدها، وهناك 14 فصيلا آخر لهم ايضا أولويات تختلف الواحد منها عن الآخر، بالتأكيد هناك عناصر مشتركة ستكون موجودة في كل الاوراق، لكن المشكلة انه لا يوجد ما يمكن ان نطلق عليه عند هؤلاء أولويات وطنية موحدة للشعب الفلسطيني ويناضل من اجل تحقيقها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مشكلة اخرى، انه وبسبب صعوبة الواقع، واختلاف المصالح عند تلك الفصائل والمجموعات، فإن تحديد الأولويات يبدو صعبا ليشمل كل الشعب الفلسطيني في كل مكان، فعلى سبيل المثال، واقع الفلسطيني داخل الخط الاخضر مختلف عن واقع الفلسطيني في الضفة والقدس الشرقية،والواقع فيقطاع غزة مختلف عنه في الضفة، وواقع كل هؤلاء مختلف عن واقع الفلسطينيين في الشتات. اكثر المجموعات تطرفا هي تلك التي تعيش في المنافي، فهم يريدون فلسطين من النهر إلى البحر دفعة واحدة دون أي مراعاة للواقع وموازين القوى، وظروف من هم تحت الاحتلال، او من دون الاخذ بالاعتبار إذا ما كان الشعب الفلسطيني قادرا فعلا على تحقيق هذا الهدف، ام ان الواقع يحتم عليه ان يكون اكثر اعتدالا  وواقعية في تحديد اهدافه.

ومما يجعل مسألة تحديد الاولويات قضية صعبة، هو اختلاف الوقائع وتضارب المصالح بين المجموعات الفلسطينية، الامر الذي يجعلنا بحاجة إلى نقاش وحوار معمق بين ممثلي كل أطياف الشعب الفلسطيني، وهذا لن يتأتى الا عبر عقد اجتماعات منتظمة للمجلس الوطني الفلسطيني، او المركزي، اجتماعات سنوية كما كانت تعقد في ستينيات وسبعينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين، وكانت برامج المجلس الوطني هي بحد ذاتها تتضمن برنامج العمل في كل مرحلة. ولكي يكون المجلس الوطني قادرا على لعب هذا الدور سنكون بحاجة إلى إعادة بنائه ليجمع تحت مظلته كل تجمعات الشعب الفلسطيني واتجاهاتهم السياسية..

الواقع الفلسطيني المعقد، والذي يدمج بين حالة التحرر الوطني وبناء الدولة، افرز عدة مسارات سياسية تبدو متناقضة بعضها مع بعض، وهذا بدوره عقد المشهد، المسار الوطني الفلسطيني، مسار القيادة الفلسطينية الشرعية، والذي يعتبر مشروع الدولة هو الأساس، وان الجهد الوطني بالضرورة ان ينصب على تحصين  وجودها الواقعي على الارض، وتحصين وجودها دوليا عبر  نيل المزيد من الاعترافات بها، والمسار الاخر، وهو الذي يجعل من  " المقاومة " وكأنها هي الهدف،  وهذا المسار هو من ادخل الشعب الفلسطيني بحالة استنزاف لم نكن بحاجة لها، اقله بهذا الشكل الدامي، وعبر حرمان الشعب الفلسطيني من مقدراته، ومقومات صموده على ارضه.

قد يحتاج الشعب الفلسطيني ان يسأل نفسه اولا أي مسار يريد؟ مسار بناء له برنامج  واضح واهداف واضحة، ام برنامج عدمي قراره ليس وطنيا فلسطينا، وبالتالي أولوياته لا علاقة لها بمشاكل الشعب الفلسطيني الحقيقية، ولا تعبر عن تطلعاته ومصالحه الوطنية. من يحدد أولويات الشعب الفلسطيني هو مصالحه وحاجاته، وبالتأكيد هناك نوعان من الاولويات، نوع يتعلق بحياة الناس اليومية، وضرورة جعل حياةالإنسان الفلسطيني افضل، عبر تعزيز الاقتصاد والخدمات، خدمات صحية وتعليم جيدة، وتوفير ضمان اجتماعي ذات مصداقية، وان يتمتع المواطن في بنى تحتية مناسبة، وهناك أولويات وطنية، مثل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والمحافظة على الوحدة الوطنية، ووحدة الارض ( اقليم الدولة الفلسطينية ) ووحدة النظام السياسي الفلسطيني على اسس ديموقراطية.

بالضرورة ان يشعر الكل الفلسطيني ان هذه الأولويات تعبر عن تطلعاته، وانها لو تحولت إلى برنامج عمل وطني سيحقق للمواطن المنافع والمصالح والاهداف، ويشعر انه بتراكم المنجزات سيحقق له حريته واستقلاله ورفاهه. ان من يحدد للشعب الفلسطيني أولوياته هي مؤسساته الوطنية وقيادته الشرعية، والتي بالضرورة ان تعبر عن إرادة الشعب، وهنا تأتي أهمية إجراء انتخابات عامة فور ان تصبح الظروف مواتية، ولكن من الآن وحتى نصل إلى تلك الظروف لا بد من تجديد شرعية القيادة حتى بالوسائل والآليات المعمول بها في الساحة الوطنية منذ عقود، عقد المجلس الوطني، عقد مؤتمر حركة فتح، كمرحلة انتقالية، حتى يمكن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وحتى يحصل ذلك فإن قيادة فلسطينية شرعية معترفا بها عربياودوليا هي من يضع للشعب الفلسطيني أولوياته، وليس اي جهة أخرى او فصيل بعينه، وبغض النظر عن رأي البعض بهذه الآلية، فإنها هي الآلية الأضمن للانتقال لأوضاع اكثر إيجابية، إلى مؤسسة الدولة وليس الفوضى، والفوضى هي الوصفة التي يريدها الاحتلال الإسرائيلي لتغرق بها.