.. ما يعقب الانحناء!
تغريدة الصباح- حسن حميد

صرخة نعوم تشومسكي (1928ولادة) على الجسر، وهو يهم بالدخول إلى بلادنا العزيزة فلسطين، من أجل إلقاء محاضرة في جامعة بير زيت، قبل سنوات، ما زالت تهدر محوّمة مثل عاصفة، فانحنت لها الأشجار، وسكنت إليها الطيور، وتلوّت لها طرباً طرق، ودروب، وارتعش لصوابيتها عشب النجيل الذي ينبت بلون أخضر وندى، ويتوارى بلون أخضر وندى.
صرخة نعوم تشومسكي، هي كلمات منقوشة ومرفوعة على ذراع من العزة والمفهومية، والقناعة بأنّ الحياة المرجوة والمحلومة هي الحياة الملأى بالحق، لقد صرخ نعوم تشومسكي بوجوه الجنود الإسرائيليين الذين منعوه من الدخول إلى فلسطين العزيزة، ليلتقي طلاب جامعة بير زيت الذين هم غرة المستقبل. .قائلاً:
ليتني كنت ابناً لهذه البلاد التي عمرها من عمر الأنهار، والصخور، والأشجار، والأعشاب، والطيور، وأسيجة العليق، والقناطر، والكتب!
صحيح أنه بكى، واحتضن وجهه بكفيه، ولكنه لم يبد منكسراً أومنحنياً، أو متفاجئاً بالمنع، وسلوكية العنجهية الإسرائيلية، وشوفة الحال والغرور، ولم يتكدر لعبوس وجوههم التي قابلته، لأنه كان يعرف مقدار سعادته، وهو كثير، وهي كثيرة، لأنه يقف في ضفة الحق الكاشفة لكل ما في الضفة الإسرائيلية من قباحات، وشناءات، وقهر، وخذلان، ودموية، وبطش، وقوة (الهو) المطفأة التي تحدّث عنها فرويد، فوصفها بالقوة العمياء!
تشومسكي، العالم اللغوي، والمفكر، والمطور لعلم اللسانيات عالمياً، وصاحب الرميات الفكرية الثقال، واليهودي العارف للحق والناطق به، وصاحب الصوت الجهير القائل: فلسطين هي للفلسطينين، هي لأهلها الذين أنسنوا كل شيء فيها، وأسبغوا عليه صفات الانسانية والجمال، من قولة (مرحبا) إلى (ربنا في الأعالي)، وأنّ خاتمة المواجهة مع المحتلين ستكون لصالح أهل الأرض وبناتها، مهما امتلك غاصبوها من قوة ((الهو) الضالة المضلة، لأنّ قوة الروح البشرية، هي قوة متقدة، وفاعلة، وتعرف طريقها نحو الخواتيم النبيلة، وأنّ الفلسطينيين، ورغم ما يعيشونه، وما يتعرضون إليه من مكاره رجيمة، قطعوا مسافة طويلة من الزمن المر، والتعب الصعب، كي يصلوا إلى هذه الخواتيم النبيلة؛ وكل ما هو هجين، وزائف، ومحمول على كف القوة مآله الزوال، والذوبان، والتبخر.
قلت هذا الآن، وأشرت إلى صرخة تشومسكي، وأمنيته أن يكون فلسطينياً ، ليس لأنّ النفوس الهشة، والركب الراجفة، والعقول الضامرة، والعيون الرمداء، والألسن الخادعة، والكلام الضرير..في تكاثر وترادف بخس، ويروّج لها، كيما تصير الثقافة إحباطاً ويأساً، وكيما تصير روح الحق ثوباً قابلاً للبلى والتلاشي، وكيما تصير القيم الأصيلة مستحيلات تحول بين الناس وبين الوصول إليها، والعيش في ظلالها، والتغني بما فيها من نورانية ساطعة، لقد قلت هذا كي أذكّر هؤلاء الذين يشوهون الحياة بسلوكياتهم عديمة الحضور والبهجة، وفاقدة القيم الإنسانية التي عاشت العقائد والكتب الثقال من أجل توطيدها، وجعلها هي الحلم والمسعى والحياة، بل الغائية من الحياة كلها! أقولها لهؤلاء النفر الذين ينكرون أصولهم الفلسطينية بعد أن أدركتهم الشهرة، في الكتابة، والفنون، وهم يعرفون .. أهلوهم عاشوا في البلاد الفلسطينية، فعمروا أرضها، وحبروا كتبها، وأعطوا ذوب أرواحهم، وخلاصة عقولهم.. لأبناء مجتمعاتهم، وسعدوا بإبداعاتهم، وإبداع من تتلمذوا على أيديهم، ولم يخطر ببالهم، وهم الأجداد الذين انتقلوا من أسيجة الشوك البسيطة للبيوت، والحواكير، ومستودعات التبن، إلى فخامة العمران حين طوعوا مقالع الجبال، فصارت حجارتها بيوتاً، وأعمدة، وأقواسا، ومعابد، ومدرجات للمسارح في الهواء الطلق، قلت هذا، لانه ما كان، يخطر ببال هؤلاء الأجداد، الذهب العتيق، أنّ خلقاً من أصلابهم، سيأتون إلى الحياة، ويصيرون من المشاهير، ثم (ولأسباب خاصة بهم) يتنكرون لأصلهم الفلسطيني المشدود إلى نهر الأردن، وطبريا، والناصرة، وعكا، وبئر السبع، وأريحا، والقدس، ودروب سيدنا صاحب الأقوال والمعجزات! ولماذا؟ لأنهم استحوذوا على جوازات سفر أخرى، ولأنّ حاضر الأيام يغري بهذا التخلي والنكران، بعدما تغوّلت الممارسات الإسرائيلية، وصارت ناطقاً باسم القوة الضريرة، وجهة معبرة عنها.
إنهم، لا يتنكرون لأصلهم الفلسطيني وحسب، بل يتنكرون لأجدادهم وآبائهم، والقيم التي تربوا عليها، و الثقافة التي استندوا إليها، وكلها مستلّة من كتب العقيدة والتاريخ والحق والجمال.
وهنا، لا ينتظر أحد مني أنّ اسمي أحداً، من هؤلاء، وهم قلة، لأنّ الأسماء لا تدل على الأشخاص قدر ما تدل على سلوكياتهم الرقيعة الباهتة الراكعة في وحل رائحته واخزة، ولأنّ كل ما يتفوهون به هو طأطأة ديدان، تبدو للحظة، ثم تغور في طين لزج، وهم لن يكونوا من الرابحين أبداً، لأنّ من امتلأت نفسه بالخوف، سيعش حياته خوفاً وانحناء، وهذه البلاد الفلسطينية لا ينتسب إليها إلا الرابحون، مهما كثرت النيران واشتدت، ومهما اتسعت رقع البطش والاخافة، فالأصالة، تعريفاً، هي الأرض، والتاريخ، واللغة، والعقيدة، والنسب، وليست المصالح، أو جوازات سفر، لأن من ينحني.. عليه أن ينتظر ما يعقب الانحناء من ذل وندم!
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية