عبد القادر ابو الفحم
عيسى عبد الحفيظ
الموت مع سبق الاصرار، هذه الجملة تلخص حياة رجل عاش مصاحبا للموت منذ طفولته وحتى نهاية حياته، اسطورة في معتقل عسقلان، ذاق طعم التشرد طفلا من قريته البرير، وذاق مرارة اللجوء واستقرت عائلته في مخيم جباليا، لم يكن مكان اقامته الجديد بعيدا عن مسقط الرأس الذي حفظ تضاريسه وتفاصيل جغرافيته بذاكرة الطفولة التي كان يستعين لرسم بعض تفاصيلها بدقة بحكايات والدته ووالده وأعمامه وأقاربه الذين تم تهجيرهم عنوة من قريتهم وبيوتهم.
درس في مدارس وكالة الغوث، وتمكن من اجتياز «المترك» الذي لم يكن تجاوزه في فترة الخمسينيات أمرا سهلا، لكن الظرف لم تسعفه لاتمام الدراسة الثانوية، فانتقل الى سوق العمل للحصول على لقمة العيش وتأمين سبل الحياة في حدها الأدنى، ولاعالة أسرته الكثيرة العدد.
التحق بجيش التحرير الفلسطيني منذ اللحظات الاولى لتشكيله عام 1965 وحاز على رتبة رقيب وهي رتبة كان لها اعتبارها في تلك الفترة.
عندما حلت هزيمة حزيران وانسحب الجيش المصري وبعض وحدات جيش التحرير رفض عبد القادر ان يكرر سيرة اللجوء مرة اخرى وبقي في القطاع لكنه كان قد شب ولم يعد صبيا، فقد امتلك خبرة التدريب العسكري والارادة على التصدي هذه المرة للاحتلال فعلا لا قولا، بدأ بجمع الاسلحة التي خلفها الجيش المصري أثناء انسحابه السريع والمريع وقام باخفائها لاستعمالها عندما يحين الوقت المناسب.
خطوته الثانية كانت في تجميع المقاتلين المدربين من جنود جيش التحرير الذين لم يغادروا قطاع غزة وشكل منهم مجموعات سرية زودها بالسلاح ثم اتصل بقيادة جيش التحرير في القاهرة طالبا المساعدة في الاستفادة من التشكيلات العسكرية السرية التي شكلها، هذه الجهود قابلتها قيادة جيش التحرير بالترحاب والتشجيع في مصر والاردن، فأطلقوا على التشكيلات الجديدة اسم قوات التحرير الشعبية، كان عبد القادر جابر على رأس تلك المجموعات في قطاع غزة وخاض سلسلة عمليات ناجحة ضد قوات الاحتلال، كان آخر اشتباك له في محيط مخيم جباليا مع قوة عسكرية معززة آليا، فأصيب باحدى وسبعين طلقة وسقط في بحر دمائه، لكن الارادة السماوية لم تشأ له الموت في ارض المعركة. اعتقل جريحا ونقل الى مستشفى بئر السبع تحت حراسة مشددة مربوطا الى سريره لمدة ثلاثة أشهر كاملة، نقل بعدها الى المحكمة العسكرية حيث حكم عليه بعدة مؤبدات ثم الى سجن عسقلان الرهيب.
عند وصوله كان المعتقلون قد قرروا بدء الاضراب عن الطعام، لكنهم وبحكم حالته الصحية نصحوه بأن لا ينضم اليهم حيث اعتبرت حالته استثنائية، لكنه أصر عى المشاركة بعنفوان القيادي المصقول باللهب والنار، ورفض حتى مناقشة الأمر وأصر على المشاركة مرددا جملته الخالدة «لن أكون في الخندق الأخير أبدا»، لم يطل اضرابه طويلا، ففي اليوم الخامس لم يعد يقوى على الكلام فتم نقله الى المستشفى بعد تأخير متعمد من ادارة المعتقل، وهكذا قضى عبد القادر ابو الفحم لينضم الى قائمة طويلة من الشهداء.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل