التحرر من "الأنا" للتصدي للأزمات
سؤال عالماشي- موفق مطر

فجأة.. وبدون مقدمات أو اسباب منطقية، أو موضوعية، ورغم تطمينات الحكومة وجهات الاختصاص، سارع البعض لإطلاق فايروس (الأنانية) حتى طغت خلال ساعات مشاهد التزاحم على محطات بيع الوقود في بعض مدننا، وصور الاستغلال لأزمة لا أساس لها، على المشاهد المأساوية، وصور التزاحم للحصول على بضعة لترات من الماء الصالح للشرب، وملء قصعة طعام مما تقدمه التكيات الخيرية، والجمعيات والمنظمات الدولية في قطاع غزة من شماله الى جنوبه، ناهيك عن مشهد الطحين المعجون بدماء شباب ورجال استشهدوا من اجل الحصول على رغيف خبز بات الأغلى في موسوعة تاريخ شعوب العالم .
اردنا تذكير الذين افلتوا العنان لأنانيتهم، فتزاحموا، وتصارعوا، وكاد أحدهم يقتل آخر، بما حدث ويحدث في ميدان الابادة الجماعية في غزة، وتهجير آلاف العائلات وتدمير آلاف البيوت في مخيمات جنين وطولكرم في الضفة الفلسطينية، التي نفترض أن تكون دروسا كافية، لرفع مجتمعاتنا، بشرائحها المتنوعة، الى مستوى التحدي مع الغرائز والنزعات الفردية، على رأسها ( الأنانية ) التي تعني " انا ومن بعدي الطوفان "والتصدي كذلك للإشاعات، والتعامل مع الواقع بمسؤولية اخلاقية شخصية فردية، وجمعية وطنية، ارتكازا على قاعدة جوهرها ، ان سلوك الناس وأفعالهم خلال الأزمات والشدائد وحتى الكوارث، تبين حقيقة معادنهم، وتؤشر الى مستوى تطبيقهم، لمعنى المسؤولية في ادبياتهم الأخلاقية، وموروثهم الثقافي ( الديني والاجتماعي ) خلال اللحظات والساعات والأيام العصيبة الطارئة، فما بالنا ونحن نتحدث عن ايام وشهور وسنوات، صممت خصيصا، لدفع ضعاف النفوس، الى تحطيم كل الشارات المنظمة لمسارات حياتنا – رغم الاحتلال والاستيطان وجرائمهما المنظمة – بقصد ادخالنا في مصادمات في الشوارع، وعند مخازن ومجمعات اللوازم الضرورية للحياة ، كالخبز والماء والوقود، والدواء .
طمأنت الحكومة المواطنين، وقطعت دابر المستغلين، الذين سارعوا لإغراق الشارع والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي بالإشاعات، فمنهم من كان مستأجرا، ومنهم من اجر اخلاقه للشيطان ليكسب في ظل تهافت البعض، وانكفاء زاوية ومدى نظرهم للأمور، فربح وكسب المستأجرون وكذلك المستغلون، فيما خسر كثيرون ماء وجوههم بسبب اندفاعهم الأعمى، وتسببهم عن غير قصد في تصنيع " ازمة " !، وبما أننا لا نعيش استقرارا وأمنا خالصا بسبب الاحتلال، إلا أن هذا الواقع لا يعفي أحدا من المسؤولية، مثل نظم حلول لأزمات مفترضة، قد تكون طارئة ، أو دائمة، والبحث عن بدائل مؤقتة، ولا نتحدث هنا عن ازمة محددة بنوع أو عنوان ما، وإنما كل ازمة مفترضة، أو واقعة، وهذا يتطلب اضطلاع البلديات والمجالس المنتخبة مشاركة الحكومة، خططها المرسومة سلفا، ونعتقد أن تعاملنا مع أزمة ( وباء الكورونا ) كانت نموذجا مشرفا ناجحا بامتياز في كثير من مناطق عمل المسؤولين فيها، على صد الجائحة، ليس هذا القطاع وحسب، بل إن الارشاد والتوجيه، عبر منابر الاعلام، بقصد تفكيك الاشاعات، وإقناع المواطن بالأرقام والوقائع، لنشر الطمأنينة، وضمان الالتزام بقيم اخلاقية وعقائدية يعرف افراد المجتمع كافة نصوصها، اما بالنسبة للقوى السياسية فإن مستوى انسجامها ما بين الطرح النظري الوطني، والفعل والعمل المنظم على الأرض، هو البرهان على صلاحية وجودها في حياة الشعب الفلسطيني، فالأزمات ليست مناسبات للمناكفة، وإنما للنقد البناء، وبذات الوقت المساهمة الفاعلة، في تنظيم حركة الجماهير في الشارع عند بروز أي ازمة، وإلا فلا معنى للتنظيمات السياسية والشعبية، وغيرها من الهياكل الجماهيرية، والمجتمعية، والتثقيفية أيضا، ما لم ترسم الخطط سلفا وتشارك الحكومة بها، لتنال الضوء الأخضر، وفقا لخطط وطنية املة، ضامنة لاستقرار الجبهة الداخلية، وتوزيع المهام الى جانب جهات الاختصاص الرسمية المكلفة قانونيا بالتنفيذ، فالشعوب والدول تسقط عندما تستفحل الأنانية، وتستعمر العقول، وتستشري كالداء القاتل، لكن حسن النوايا الشخصية والوطنية، والعمل بإبداع وصدق وإخلاص ينقذها.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية