عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 حزيران 2025

الشائهون..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

أكاد أجزم أن هذه الحياة، وما سبقها وما سيتلوها من حيوات، تنوس ما بين معنيين اثنين هما: القبح والجمال، سواء أكانا يقصدان الفرد أو الجماعة، أو الكائنات الجامدة والمتحركة معا؛ لأن صفات كثيرة تربخ تحت كل قبيح أو تحت كل جميل، وقد كان هذان المعنيان قصداً لسلوك البشر، منذ الأزل وإلى ما شاء الله من أيام قادمات، مثلما كانا هما التحقيب الأوفى لمدح الحياة أو ذمها، وأنا لا أشك أبداً أنّ الآداب والفنون والأفكار (أعني عالم الفلسفة والابتكار) دارت حول هذين المعنيين لجلو ما فيهما من ندرة ووفرة، وطري وشوكي، وقبول ونفور، ورهافة وخشونة، ومحاميد ومقاذيف، وطعوم مرة وحلوة، كما لا أشك أبداً أنّ كل تحقيبات التواريخ والسير للأفراد والشعوب والأمم انشطرت إلى شطرين في نتائجها، في الشطر الأول بدا القبح بآثاره، وفي الشطر الثاني بدا الجمال بآثاره.

   هنا، وفي هذه الوقفة، وعبر الأسطر القادمات، سأتحدث عن رواية أوسكار وايلد (دوريان غراي)، التي أوقفت حديثها على القبح والجمال، فجعلتهما ثنائية لحياة (دوريان) رافقته منذ الولادة، وحتى النهاية، وفيها الظاهر (الجمال) وفيها المتواري المستبطن (القبيح)، وفيها الشخصية (المادة)، وفيها الصورة (اللوحة) التي تشكل المعادل الموضوعي أو القرين لهذه الشخصية التي ستمتلئ بالقبح رويداً رويداً كلما اقترفت الشخصية المادية سلوكاً هجيناً ينتهك حرمة الأخلاق والقيم، وقد كانت الأخلاق والقيم هي المرجعية التي تقول بوضوح: هذا سلوك قبيح، وهذا سلوك جميل. وحديثي عن (دوريان غراي) هنا، هو من أجل الانتقال من عالم الفرد، إلى عالم السوسيولوجيا، أي المجتمع، فما ينطبق من قول وتوصيف تجاه سلوك الفرد (القبيح والجميل) ينطبق أيضاً على المجتمع لأنّ الأخلاق والقيم هما المرجعية أيضاً لكليهما معاً.

   تقوم رواية (دوريان غراي) لـ أوسكار وايلد (1854-1900) على ثلاث شخصيات فقط، هي: (دوريان غراي) الشاب الجميل عاشق المتعة واللذة، والباحث عنهما، وهو لا يسأل كيف يصل إليهما، ولا يسأل عن الوسائل التي يستخدمها كي يصل، والشخصية الثانية هي (اللورد هنري ووتون)، المرشد ل (دوريان) والمشجع له على حب المتعة واللذة من دون أن يحسب حساباً للأخلاق والقيم، ولا لما يقوله الناس، والشخصية الثالثة هي (باسيلي هالورد) الرسام الذي رسم لوحة شخصية ل(دوريان) غايتها أن تكون الصورة لجمال ( دوريان) من جهة، وصورة للضمير الذي لا يرضى بالقبح والسلوك المنافي للأخلاق والقيم.

   فذاذة الرواية بادية في فكرتها، وهي الرمزية المدهشة ما بين (دوريان) الشاب الجميل، وصورته الجميلة أيضاً، لكن التي ستزداد قباحة مع كل فعل شائن يقترفه مع كرّ الأيام، أي أن  الصورة/ اللوحة تزداد قبحاً بسبب ارتكاب الممارسات المشينة، في حين يبقى (دوريان) جميلاً وكأنّ الزمن لا يمر به، أو لكأن الزمن لا يحمل في كيسه السحري ترسيمات الشيخوخة التي لابد منها،  لكن الوحيد الذي  يدرك مفاعيل القباحة وتأثيراتها، هو (دوريان) نفسه، فهو يحس ويشعر بأنّ داخله بات مجوفاً مثل جرة الفخار، وأن أي طرقة لجدرانها ستؤدي لكسرها لا محالة، ف ( دوريان)يركض في دروب المتعة والملذات من دون أن يحسب حساباً للأخلاق والقيم، ولا للوسائل الذميمة المعيبة التي يستخدمها، لإنه  يعيش في عالم الشذوذ، ويطارد الزوايا المظلمة، ويلجأ إليها، كي يمارس ما عده متعة أو لذة، لا بل ما عده هو الحياة، ولا شيء غيرهما!

   لكن ما النتيجة، بعد كل هذه المطاردات، والروغان عن المحاسبة، والتفلت من العقاب، والرضا بالمتع والملذات الآنية، وإدارة الظهر للأخلاق والقيم؟ إنها نتيجة كارثية بادية في مواجهة الصورة/ اللوحة، و الخوف منها، وطعنها تمزيقا، للخلاص منها، لأنها غدت قبيحة جداً، ومتهالكة، ووحشية، وملأى بالشذوذ، وقد أدى طعنها إلى  كشف المستور والمستبطن اللذين تتمتع بهما شخصية (دوريان) الحقيقية، لتبدو، في الحال والتو، وهي في منتهى الشيخوخة والتهالك والقبح والشذوذ، لقد تبادلت الصورة/ اللوحة الدور مع الشخصية الحقيقية، فبدت اللوحة، من دون المجاز/ السر، وهي تستقطب القبح مع كل واقعة شائنة رويداً رويداً، وبدت الشخصية الحية قبولة لترسيمات ممارساتها القبيحة وآثارها الوحشية كلها فجأة، ومن دون انتظار آخر لمرور الزمن، لأنها كانت خزاناً للقبح منذ بدايات ظهورها الأولى وممارسة أفعالها الناقصة، وحتى لحظتها الراهنة.

   قلت هذا، وأشرت إليه.. كي يعي منظرو القوة العمياء التي يمارسها الإسرائيليون، حتى غدت هي حياتهم كلها، فيدركوا شذوذها وقباحاتها، عبر أفعالهم الناقصة، وممارساتهم الدموية ضد أبناء شعبنا الفلسطيني منذ 77 سنة، وضد الحياة والمكان الفلسطيني معا، اللذين كانا تطريباً للجمال والعمران والمعرفة، وغدا كل هذا..اليوم، بسبب الشذوذ والقباحة الإسرائيليين، خراباً، حجارته كتل نار، وهواؤه رائحة بارود، وهذه هي صورة اللوحة التي طعنها الفلسطينيون، بما استطاعوا عليه، فأبدوا قبحها المشين أمام كل من يمتلك عينين رائيتين!

[email protected]