عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 حزيران 2025

الصداقات الأدبية.. تراجعت!

تغريدة الصباح - حسن حميد

لا بد من المصارحة والقول، إن عددا، ليس بالقليل، من صداقاتي لأدباء، وكتاب وفنانين أجانب، قيضت  لي الظروف أن أتعرف إليهم في بلدان أجنبية عدة، ولأسباب كثيرة منها العالمية التي تتصف بها كتاباتهم، وانتشارها، وحيازتها لوجوه عدة من التقريظ والثناء، عبر الجوائز، والترجمة، وحديث النقاد الطيب عنها، ومنها أيضا فضول هؤلاء الكتاب الأجانب لمعرفة ماذا يكتب أدباء العالم الثالث الذي عاش أهله كواره عدة، وتعرض لظروف قاسية كانت بعيدة في رسومها وأحوالها عن الصفات الإنسانية، ولعل أبداها هو التجاهل، وعدم الاهتمام، وكأنها لم تكن، أو لكأنها لم تقل شيئا ذا بال.

هذه الصداقات، ومع تقادم السنين، ونشوب الحروب وإدامتها، وكثرة التخوفات والتهديدات، تراجعت إلى حد المجاهرة بأنها غير موجودة أصلا، وبعضها تباطأت مفاعيلها، وشحت المراسلات الكتابية إلى  حد الندرة، فما عادت تزيد في عدديها على أصابع اليدين في السنة الواحدة، بعدما كانت تأتي بالمناسبات، والأعياد، وصدور الكتب، وصدور الترجمات، والفوز بالجوائز، والمشاركات في التظاهرات الثقافية، مثل المهرجانات معارض الكتب، وبعضها اقتصر على التراسل الوجيز عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والاكتفاء، بعبارات المجاملة، مثل السؤال عن الصحة، والكتابة، وأخبار الترجمة، وبعضها غاب تماما، ولم يعد حاضرا في مواقع التواصل الاجتماعي، ولأسباب كثيرة.

صحيح أن ثقافة التعارف تشبه الأعشاب والأشجار فهي تنمو رغم المعوقات، وتحضر رغم قوة مفاعيل الغياب، لكن الزخم اختلف، ولهفة السؤال اختلفت، والذهاب إلى القضايا المصيرية التي لها علاقة بالصيرورة، والتاريخ، والأرض، والكرامة.. اختلف أيضا، وقلت دروبه، وغابت خطاه، والسبب هو الخوف، والخوف يتكاثر حين تغيب القناعات بأن الحرية كل واحد لا يتجزأ، إن هدم جانب من الحرية في آخر الدنيا لا بد وأن تتأثر الحرية به في أول الدنيا، والخوف يتكاثر، ويمضي إلى عالم اسمه عالم المصالح، وعالم التخفي (لا التجلي)، حين تغيب قوة الأفكار، وحين تصير الحملات الإعلانية المنادية بالسعادة هي أصل الأشياء، وأبدى قولاتها، أعني الحملات الإعلانية، أن تكون أنت سعيدا، ودعك من الآخرين، سواء أكانوا أفرادا أو مجتمعات وشعوبا.. أو أمما.

كان لي صديق كاتب قصة قصيرة من مالي، يقول لي: خبر واحد سيئ، يصل إلي من بلادكم الفلسطينية، يجعلني أقلق طول الليل، فلا أنام، إلا بعد أن أكتب ما يريح نفسي شجبا لهذه الظلامات التي وقعت عليكم، على المكان الفلسطيني، وعلى المواطنين الفلسطينيين، أتذكر الآن نواغو بوا، المجنون بالقصة القصيرة، والمجنون بالحرية، والنصير لكل من يقول لا للاستعمار والاستعباد، أتذكره، وهو طي الغياب، فهو لم يكتب لي سطرا واحدا حول ما يحدث في بلادنا الفلسطينية خلال السنتين الماضيتين، وقد توقعت منه عاصفة من الكتابات النارية التي تدين وتشجب ما يحدث من أفعال إسرائيلية في بلادنا، ومن ممارسات مشينة تطال المعابد المقدسة، والبيوت الآمنة، والمدارس، والمشافي، والحقول، لكن نواغو بوا، اختفى تماما، ولم أعرف أين هو حقا، وقد كان أستاذا في الجامعة، يدرس الطلاب مادة: علم النص، أي أسرار الكتابة الإبداعية، ولكن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، وبسبب انتشارها المذهل، جعلتني أرى له صورة وهو يحاضر في إحدى الجامعات البريطانية، حول محاسن الأدب الإنكليزي وتأثيره في الثقافة المالية.

صديق آخر من الهند، جعل رواياتي مادة درسية له، كي يستنبط منها ما يعينه على كتابة رسالة الدكتوراه التي عنونها بـ القضية الفلسطينية في الفن الروائي الفلسطيني، راسلته ثماني سنوات، وأعنته على كل ما طلبه مني، أرسلت إليه المقالات والروايات، وما قاله النقاد عن الرواية الفلسطينية (النشأة، التاريخ، المراحل، الموضوعات، التقنيات، المكان، المنفى، السجون..إلخ)، بل أرسلت إليه بعض الصور عن المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، الآخر هو أيضا غاب رويدا رويدا، مثل نار فقدت حطبها حتى انطفأت، تأسفت لغياب سنكار أحمد، الكاتب الهندي الذي صار اسما في النقد الأدبي، ووجهة للسؤال عن الرواية الفلسطينية، وزاد غيابه حضورا وسؤالا في هذه الأيام، ونحن بأشد الحاجة لصوت يتكلم بلغة أخرى، يشرح حالنا، وما وصلت إليه اللامبالاة الغربية من شرور داميات.

صديق آخر في أفغانستان، تعرفت إليه أيام نشاطات اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، التقيته في موسكو، وكان شابا، في منتصف عقد الثمانينات، وفي كتاباته الروائية والقصصية، بهرة ضوء على ما جهلناه عن الحياة الأفغانية أيام ثنائية السوفييت/ والأفغان، تراسلنا لسنوات، وكنت أفرح برسائله، مثلما كان يفرح برسائلي، كما قال لي، كانت معاني الوطن هي الخيوط السحرية التي جذبت أحدنا للآخر، للأسف فقدته، بعد أن عمل على ترجمة رواية لي إلى اللغة الروسية، فقدته حين جاءت أيام ثنائية الأميركان/ الأفغان، انقطعت أخباره تماما، وفي قلبي غصة لأنني راهنت عليه ليكون اسما أدبيا كبيرا في أفغانستان.

ما وددت قوله هنا، أننا سعينا من أجل أن نكون أجسادا بأذرع كثيرة، وقلوب كثيرة، وصوابية رؤيا متعددة الحضور في لغات كثيرة، لأن الخطوب تكاثرت وسدت الطرق علينا أو حجبتها، ولذلك بنينا علاقات مع الكتاب الأجانب، وما من كلمة سر بيننا سوى: فلسطين.

أما الكتاب الغربيون وصداقتي معهم، فلذلك وقفة أو أكثر تخترمها الحيرة، والمفاجآت، وسطوة الماضي، وسطوة الراهن، والخوف من دلق ما في الزجاجات الصغيرة.. من ماء النار على الوجوه والأيدي.

[email protected]