عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 شباط 2016

طير بلا جناحين

حنان باكير

للفصول في موسمها جمالية خاصة. والأجمل حين تنتقل بين أماكن مختلفة، في فصل واحد، لكن في بلدان ذات  مناخات متطرفة. غادرت أوسلو، وكان غبار الثلج، بدأ يتناثر في الطرقات، مبتهجا ومبشرا بقرب وصول الدكتاتور الأبيض، الذي سيفرض علينا شروط إقامته. المعطف الدافئ يكون حنونا.

وجهتي بيروت.. الطقس الدافئ في مطارها، دفعني للتحرر من المعطف وجوارب السفر. دفء وشمس من بقايا صيف راحل، منذ وقت قريب. "بين تشرين وتشرين، صيف ثان".. أمثال وتوصيفات الشهور، في ثقافتنا متنوعة وكثيرة. ما زال الجلوس في مقاهي البحر، مع الأصدقاء مقبولا ودافئا. وهنا نشبع رغبات نفتقدها، من حميمية العلاقات والجلسات، مع العائلة والأصدقاء. وهي فرصة لتناسي فيروس الاحباط، الذي يشترك فيه المقيم والراحل على حد سواء، مع فوارق الأسباب.

حيث أسكن في منطقة راس بيروت، تلقى التناقض، الغلاء والضائقة المادية، التي يشكو منها الناس، تناقضها، انتشار المطاعم والبارات والحانات، الى درجة الازعاج، لا سيما في عطلة نهاية الاسبوع. وغير بعيد عن هذا المكان، تقام الندوات الثقافية، والحوارات السياسية، التي تعيدك الى زمن نقائض جرير والفرزدق. وسرعان ما ينقلب مزاج الطقس، ويرسل الشتاء عاصفة، تقتلع الأشجار، للتحذير من مغبة التعدي على موسمه.

ويحين أوان الارتحال الى دبي. نحن في عز الشتاء، أواخر تشرين وبداية كانون الأول. كانون في بلادنا، هو جحيم بارد. لكن هنا، كانون رحيم ومتسامح. يسمح لك بالاستمتاع على شاطئ البحر، والتباهي بلونك البرونزي، الذي تمنحه لك شمسه. دبي ذلك المكان الساحر، تدهشك بتنوعها وتناقضاتها. البحر يجاور الصحراء، والبروج العالية تجاور الخيمة والبراجيل. الطرقات الواسعة التي تنهبها السيارات الفخمة، تسرح على جوانبها الجمال البرية.

الحياة الاجتماعية هنا، لا تقل تناقضا في تنوعها. عقدة الماركات الفخمة للملابس والأحذية وحقائب اليد، هي الأبرز. التقيت ببعض الصديقات. كانت ملابسي، هدية من ابنتي. علقت احداهن: واوو ملابسك جدا أنيقة، قلت الأجمل هو الأكثر راحة، وبدأت تذكر ماركة فستاني وحذائي وحقيبة يدي! استغربت كيفية معرفتها بذلك، وانا لا أعرف نفسي ماذا ارتدي! لكني لم أظهر جهلي.. في البيت سارعت الى تفقد ماركات مقتنياتي، فوجدتها صحيحة! يا الهي كيف يقيمونك من خلال مظهرك لا عقلك أو حضورك! وفي المقابل، كانت زيارتي لبعض الأصدقاء في قناة العربية، تعطي صورة مناقضة للأولى، ساعات قضيناها، في نقاشات ثرية ومتنوعة.

عودتي الى اوسلو، تعني أن أدجج نفسي بكل أنواع الملابس المضادة لبرد يصل الى 23 درجة تحت الصفر. موظفة مطار نرويجية، تدهش للوني البرونزي في هذا الصقيع الأبيض! هنا مربط خيلي، وهنا مقعدي الصباحي، المطل على مدينة اوسلو، بأضوائها وبحرها المتجمد وغاباتها المعتمة! اوسلو، تعني لي العمل الثقافي، ووجاق النار ورائحة شواء الكستناء والأحفاد وحكايا الجدات! الرحلة في هذه المناخات المتناقضة، استغرقت وقتا قصيرا!

كثيرا ما كنت اسمع جدتي تردد، حين يسافر أحدنا: "بني آدم طير بلا جناحين". وهذه قصة المثل. يحكى أن السلطان العثماني عبد الحميد، ضاق ذرعا بالتنابل في بلده. فأنشأ لهم حديقة عامة يجتمعون فيها. أحد أكثر التنابل تنبلة، كان مستلقيا على الأرض، وكلما مر تنبل، زحرحه من مكانه قليلا. وبعد ان ابتعد بضعة سنتمترات عن صديقه، نظر اليه وقال: ياه.. صحيح، بني آدم طير بلا جناحين!