ورشة في المقهى
د. اسامه الفرا
اعتدت ان التقي صديقي في مقهى وسط مدينة غزة، نتناول اطراف الحديث بصحبة فنجان من القهوة، ما يلبث ان ينفض اللقاء ليذهب كل منا الى حال سبيله، المقهى في ذاكرة الكثير ما زال ينظر اليه بانه ملتقى العاطلين عن العمل، منذ كان في السابق حكرا على الطاعنين في السن، لم تتغير الصورة النمطية السلبية له رغم التكاثر الواسع للمقاهي في مجتمعنا والتنوع الوظيفي لها، لم تفلح الحداثة، عبر استنساخ مسميات لها تبعدها عن مفهومها القديم، او من خلال عملية دمج خدماتها التي تقدمها لمرتاديها، في تعديل الصورة القديمة لها، لعل التغيير الكبير الذي طرأ على المقهى والذي يعود الفضل فيه للحداثة التي طرقت ابوابه يتعلق بمرتاديه من فئة الشباب، كثير منهم يصطحب معه الحاسوب فيما البعض يتصفح عبر هاتفه النقال الاخبار وصفحات التواصل الاجتماعي، ضمن هذه المفهوم من الثرثرة الحديثة شيدت شركات امبراطورياتها التخصصية في عالم المقاهي.
على غير العادة بينما كنت انتظر صديقي كان المقهى يعج بالنساء بعد ان انهين حصة تدريبية حول المشاريع الانتاجية الصغيرة، فيما جلس شاب وفتاة في ركن من المقهى يستمعان لاجابات حول اسئلة محددة من كل سيدة من المشاركات في الورشة، ما يلفت الانتباه الى ان المئات من السيدات شاركن على مدار شهور عدة في البرنامج التدريبي الذي اعدته الجمعية الاهلية، والذي تستهدف من خلاله الفئات المهمشة بهدف تمكينها اقتصاديا عبر تنمية الافكار المتعلقة بمشاريع انتاجية صغيرة، السيدات المشاركات في التدريب لسن من سيدات الاعمال بل دفعهن الفقر الى محاولة المشاركة في تحمل اعباء الحياة، سيدات يبحثن عن توفير قوت ابنائهن في ظل نسبة فقر ومعدل بطالة لم يسبق لقطاع غزة ان اقترب منهما.
بينما راح مدير المشروع الشاب يعدد مراحل المشروع المختلفة ارتسمت على وجهه ابتسامة النجاح، لم يكن يتوقع ان تبدع النساء في ابتكار مشاريع انتاجية خلاقة خلاف تلك المتعارف عليها المتعلقة بالتطريز والحياكة، هذه المرة جئن بمشاريع انتاجية نوعية يمكن للمراة ان تبدع فيها، وان يسهم مردودها المادي في توفير المتطلبات الحياتية للاسرة الفلسطينية، لم يخف الشاب ان التحدي الاكبر الذي يواجه المشروع يتمثل في نظام الكوبونة التي انتشرت خلال السنوات السابقة، والتي تحولت مع مرور الزمن الى ثقافة في العلاقة بين الجهات المانحة والاسر المهمشة.
لا نملك على وجه الدقة حجم الاموال التي انفقتها الدول المانحة عبر المنظمات الاهلية على شكل كوبونة او سلة غذائية، لكن المؤكد انها تستقطع جزءا مهما من الدعم الذي تقدمه الجهات المانحة للشعب الفلسطيني، والتي تحمل في طابعها الجانب الاغاثي دون ان تضيف شيئا الى الجانب التنموي للمجتمع الفلسطيني، سواء ما يتعلق منها بالتنمية المستدامة او حتى المؤقتة منها، مؤكد انه في ظل ازدياد مساحة الفقر وتصاعد نسبة البطالة فان الكوبونة باتت مطمح الاسر المهمشة والفقيرة، لكن اليس من الافضل لتلك الاسر الفقيرة ان نساعدها في توفير مصدر دخل ثابت لها عملا بالمثل الصيني "لا تعطني سمكة بل علمني الصيد"؟، ثقافة الكوبونة لا تليق بشعب مبدع في نضاله وصموده، فهي بجانب ما فيها من امتهان لكرامة الانسان هي بمثابة ذر للرماد في العيون في معالجة حالة الفقر التي تستشري في مجتمعنا، وتجعلنا اكثر اتكالا على الدول المانحة، لعلنا اليوم بحاجة لأن نضع استيراتيجية واضحة لمعالجة الفقر، تستند على مشاريع انتاجية للاسر المهمشة والفقيرة تكفل لها مصدر دخل ثابت وتسهم في الوقت ذاته في زيادة الناتج المحلي، لعل هذا ما يبحث عنه الشباب الذين حولوا المقهى لورشة عمل تنضج فيها الكثير من الافكار الخلاقة لمشاريع انتاجية لنساء يبحثن عن المشاركة في تحمل اعباء الحياة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل