الآثار النفسية للتعليم عن بعد في فلسطين
د. حسن حمد

بالرغم من فوائد التعليم عن بعد في فلسطين وفي غيرها من الدول، من حيث مرونته وقابليته في تطوير مهارات التعلم الذاتي للمتعلمين، إلا أنه يلاقي تحديات نفسية لا يمكن تجاهلها. فمن المهم أن نعمل على معالجة هذه التحديات، وتوفير الدعم النفسي والتقني للطلاب والمعلمين على حد سواء، لضمان تجربة تعليمية ناجحة ومتوازنة. فقد أدى التعليم عن بعد إلى تغيرات كبيرة في طريقة تلقي التعليم في جميع أنحاء العالم، خاصة في ظل جائحة كورونا التي فرضت قيودا ثقيلة على السفر والتجمعات.
في موطننا فلسطين، حيث تعيش فئة كبيرة من الطلاب في مناطق نائية أو تحت ظروف صعبة، أصبح هذا النمط من التعليم أمراً لا بد منه في العديد من الحالات والأوقات. ورغم أنه أتاح فرصا عديدة للطلاب والمعلمين لإكمال مسيرتهم التعلمية التعيليمية، إلا أنه قد ترك أيضا آثارا نفسية ملموسة بين معظم الطلبة والمعلمين على حد سواء.
ولعل أحد أبرز إيجابيات هذا التعليم هو المرونة التي يوفرها هذا النظام. فهو يمكن الطلبة من اختيار أوقات دراستهم وأماكنها بحرية ما يسمح لهم بإيجاد بيئة تعليمية مريحة، بعيدا عن ضغوط الحضور الفعلي في الصفوف الدراسية، ما يسهم في تخفيف الضغط النفسي الذي قد يشعر به الطالب عندما يطلب منه الالتزام بمواعيد محددة وثابتة للانخراط في العملية التعليمية. كما أنه يعزز من تطوير مهارات التعلم الذاتي لدى الطلاب في فهم واستيعاب المواد الدراسية، والتفكير النقدي وحل المشكلات بأنفسهم، ما يعزز من شعورهم بالإنجاز.
من جهة أخرى، لا يخلو التعليم عن بعد من تأثيرات نفسية سلبية، قد تكون أكثر وضوحا في السياق والمشهد الفلسطيني خاصة. حيث يعاني العديد من الطلاب من الاحساس بالانفصال الاجتماعي والعزلة بسبب ضعف التفاعل المباشر مع زملائهم ومعلميهم. خاصة في المناطق الريفية والنائية، أو المناطق التي تعاني من نقص في الخدمات واللوجستيات الضرورية. كما أن الكثير من المعلمين يفتقدون التفاعل المباشر مع طلابهم فينمو لديهم شعور بالعجز عن تقديم الدعم الكافي لطلابهم، ما قد يضعهم في حالة من الارتباك او حتى الاحباط إن صح التغبير.
كما يعاني العديد من الطلاب في فلسطين من صعوبات في الحصول على خدمات الإنترنت الجيدة أو الأجهزة المناسبة للدراسة عن بعد، ما يولد عبئا نفسيا إضافيا لدى هؤلاء الطلاب، ومسببا لهم الشعور بالتشوش والانقطاع وخيبة الأمل، نتيجة عدم تمكنهم من المشاركة في الدروس أو إنجاز واجباتهم. علاوة على ذلك، قد تؤدي هذه التحديات إلى زيادة مستويات القلق، خاصةً في ظل عدم وجود دعم فني كافٍ لمساعدتهم على التعامل مع هذه الاشكاليات.
ويمكن أن يؤثر التعليم عن بعد بشكل سلبي على صحة الطلاب النفسية، نتيجة التعقيدات الصحية المرتبطة باستخدام الشاشات لفترات طويلة. فالإرهاق الناتج عن التركيز المستمر على تلك الشاشات والأجهزة ربما تنتج عنه مشاكل صحية مثل الصداع وتهيج العيون، وتشوش النظر، ما يزيد من مستويات التوتر والقلق في داخلهم.
لذا، وفي الختام، يمكننا القول إن تطوير البنية التحتية لتكنولوجيا التعليم في فلسطين يعد خطوة أساسية لضمان توفير بيئة تعليمية مناسبة للجميع، إضافة الى توفير الأجهزة المناسبة، والوصول إلى الإنترنت بشكل سلس ومتساو ودون تمييز، سواء في المناطق الحضرية أو الريفية، لتقليل الفجوة الرقمية التي تؤثر سلباً على التفاعل والتعلم البناء في هذا الوطن، مع الـتأكيد على أولوية التعليم الوجاهي، الا في الحالات الملحة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي